القاهرة 21°
دوت مصر

لا مؤاخدة كراش!

لو قُدر لك عزيزي القارئ وعزيزتي القارئة أن تعنونا هذه المرحلة من التاريخ المصري ماذا سيكون العنوان؟ البعض قد يختار عناوين رنانة عن الثورة والتغيير، وآخرون قد يفضلون عناوين عن الفساد والظلم. أما أنا فإن قدر لي أن أعنون هذه الفترة العصيبة من تاريخ البلاد فسأختار لها "زمن السف".

و"السف" تلك المفردة المصرية البليغة، كانت تستخدم في عصر ما قبل "الساوند كلاود" و"النت فليكس" للتدليل على عطب يصيب شرائط الكاسيت والفيديو. كانت بكرة الشريط تخرج عن مجراها مما يتسبب في اهتزاز الصوت أو الصورة قبل العطب الكامل للشريط. ورغم اختفاء الشرائط كوسيط لنقل الصوت والصورة، إلا أن المفردة لم تختف ولكنها أصبحت تستخدم في سياقات أخرى مثل "فلان بيسف على فلان". و"بيسف" في هذا السياق تفيد أن الفلان الأول يسخر من فعل أو قول قام به فلان الثاني بتكراره بشكل مبتذل. نحن إذن في زمن التكرار المبتذل الساخر لأفعال وأقوال الغير.

ربما "السف" ظاهرة قديمة، ولكن هذه المرحلة من تاريخ الوطن تستحق دون غيرها اللقب لسهولته وانتشاره. ففي عصر "هاشتاج" تويتر وفيديوهات اليوتيوب واسعة الانتشار و"شير" الفيس بوك أصبح "السف" موضة وأصبح "للسف" نجومه، حتى أن بعضهم بنى "كاريير" من هذا "السف".

مشكلة "السف" ليست في أنه يسخر من أفعال وأفكار وأقوال الغير، مشكلة "السف" بالأساس أنه يفقد الأشياء التي يسخر منها معناها وقيمتها. فقدان قيمة الأفكار وإعلاء قيمة ابتذالها مشكلة حقيقية والمشكلة الأكبر أن الأغلبية لا ترى فيها مشكلة.

ينتشر "السف" في كل شيء، هناك "السف" السياسي وفيه تبتذل كل مقدرات الوطن من أجل "نكتة حلوة تلف الفيس بوك". وهناك "السف" الديني وفيه تبتذل معتقدات الآخرين أحيانًا كجزء من صراع بين الأديان والمذاهب وفي الأغلب "لأن الموضة كده". وهناك "السف" الاجتماعي وفيه تبتذل العلاقات الاجتماعية المختلفة وخاصة العلاقات العاطفية التي يعتبرها الكثيرون "سف" بالأساس.

انتشر في الفترة الأخيرة مثلا "السف" على "الفريند زوون" أو منطقة الصداقة. فجأة أصبح كل الناس يشتكون من أحبة يحصرونهم في منطقة الصداقة وفجأة أصبح كل الناس يسخرون من فكرة منطقة الصداقة. رغم أن هذه المنطقة موجودة منذ قديم الأزل وتغنى لها الشعراء وكتبت فيها الروايات ومثلت عنها الأفلام. ورغم أن الحبس في منطقة الصداقة مشكلة "جدية" تواجه الكثيرين، إلا أن "السف" حولها لنكتة سخيفة. وكذلك انتشر "السف" على الأحضان و"المورنينج تكست" أو الرسالة النصية في الصباح، وأخيرًا – وليس آخرًا - "الكراش".

يعني إيه "كراش"؟!

كراش Crush كلمة إنجليزية تستخدم كاسم وكفعل. لو بحثت عنها في القواميس لوجدتها تعني الانسحاق أو الانضغاط أو الهزيمة ولكنها تستخدم في اللغة الدارجة للدلالة على الافتتان. فيقال I am having a crush on you بمعنى أنا مفتون/ مفتونة بكَ/ بكِ.

لماذا "السف" على "الكراش" مادام الأمر "افتتان" والافتتان قديم قدم قصة آدم والتفاحة؟ ربما لأن "الكراش" مصطلح مستورد والإنسان عدو ما يجهل. فربما بدأ "السف" على "الفريند زون" مثلا لأن المصطلح مستورد، وكذلك باقي موضات "السف" دارت حول مشاكل قديمة ولكن استخدمت مصطلحات مستوردة للتعبير عنها. ربما "السف" هنا جزء من صراع الهوية الذي قد يصبح عنوانًا معبرًا عن هذه الفترة العصيبة من تاريخ الوطن. وربما أزمة الهوية التي يمر بها الوطن هي في جوهرها صراع بين قدم المشكلة وحداثة التعبير عنها. أو ربما "السف" ليس أكثر من طريقة أخرى لملء فراغ الوقت الذي أنتجته التكنولوجيا، مما يجعل العنوان الأكثر تعبيرًا عن الفترة هو "عصر الفراغ".

وبعيدًا عن دلالات عصر الفراغ الفكرية والسياسية، إلا أن "الفراغ العاطفي" منتشر بحجم انتشار ظاهرة "السف". وفي حين قد يرجع البعض انتشار ظاهرة "السف" لانتشار الفراغ العاطفي إلا أنه أمر قد يصعب التأكد منه ولكن من المؤكد أن "الفراغ العاطفي" يتسبب في "الكراش" أو الافتتان.

كيفية التعامل مع الافتتان والتفرقة بينه وبين الحب، في المقال القادم إن شاء الله.

csr