القاهرة 20°
دوت مصر

قوم نعمّر ها المدينة

بتوقيع الرئيس السيسي أمس عقد تأسيس العاصمة الإدارية الجديدة لمصر، في اليوم الثاني لفعاليات المؤتمر الاقتصادي المُشرّف، الذي ينم عن جهود حثيثة سياسية ودبلوماسية واقتصادية وأمنية، قد تمت في فترات سابقة، كي يخرج المؤتمر بصورته الرائعة كاحتفالية لجني الثمار، بهذا التوقيع تدخل مصر عصر إنشاء المدن الحديثة الكبرى، المعبرة عن طبيعة العصر الذي نحياه.

في الفيلم التسجيلي الذي قدمه د. مصطفى مدبولي وزير الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية، عن العاصمة الإدارية الجديدة، ذكر في مقدمته إشارة للتضاعف المنتظر لسكان القاهرة الكبرى فى خلال الأربعين سنة المقبلة، وعليه فعلينا العمل لتخفيف الضغط السكاني عن العاصمة تجنبا لمزيد من العشوائيات.

فأحد المحركات هنا التي لا يُمكن تجاهلها، هو مجابهة الزيادة السكانية المتصاعدة بمصر، فتعداد الإحصاء والسكان يحدثنا عن 2.4 مليون مولود في عام 2011، أي أننا بصدد 10 ملايين زيادة كل أربع سنوات، وهي زيادة خرافية تستهلك قدرة دولة كمصر على تغيير أوضاعها نحو الأفضل، بل هي زيادة جديرة بهلاك الدولة.

وإن كنت أتمنى ألا يكون فقط الخضوع للزيادة السكانية، هو المحرك نحو إنشاء عاصمة جديدة، وإلا فإننا سنكون دائما في حاجة لتوسعات لا نهائية بلا هدف منطقي، سوى تحكم راغبى التناسل، المدفوعين بعادات اجتماعية وفتاوى دينية.

على كلٍ.. فمن خلال الاسم المعلن، فهي العاصمة "الإدارية" ففكرة "الإدارة" إذن هى محور هذه المدينة، وأول محاور الانطلاق بداخلها.. الإدارة المحددة الصارمة العلمية، غير القابلة لأي ثغرات أو استثناءات أو روتينيات، فمن غير المعقول، أن يكون التوسع والتكلفة المليارية، غرضها النهائي هو نقل السكان بكل مشكلاتهم نحو بقعة جديدة، تتحول هي بدورها إلى مشكلة مستحدثة في ظرف شهور أو سنوات معدودة.

مطلوب من وجهة نظري لهذه العاصمة، أن يخلع من يدخلها أفكاره الخاصة على أبوابها، وألا تفتح أبوابها إلا لمن لديه الخضوع التام لقانونها الخاص، وليس القدوم بأفكاره الخاصة ليسوِّقها بالمدينة، حتى وإن بدا الأمر إقصائيا قاسيا في البداية، فالتهاون والاستثناءات كلفتنا الكثير، فأنت تدفع المليارات وتبذل الجهد السياسي والعلمي، لتؤسس بنيانا جديدا، بأفكار جديدة، لتنتقل من عصر إلى عصر.. ومثلما كانت القاهرة الخديوية في القرن التاسع عشر، نقلة حداثية نحو طرز العمارة ومماثلة الأحياء الأوروبية، وخلق عاصمة تناسب القرن العشرين، فإنّ من الواجب جدا، طالما ارتأت الدولة بدء مشروع كهذا، أن تكون القاهرة الإدارية، نقلة نوعية في تاريخ العاصمة نحو الحداثة وعصر التكنولوجيا سريعة التضاعف.

فهذه العاصمة بهذه التكلفة الضخمة، 45 مليار دولار للمرحلة الأولى، مطلوب لها أن تكون وجهة انطلاق سريعة نحو نمط مغاير، تتخلص من مشكلات قائمة بغير رجعة، وتخلق مجتمعا تنمويا حداثيا، لا أن تصنع مشكلات جديدة أو تنقل إليه مشكلات اجتماعية معقدة من جغرافيات أبلتها الصراعات.

سمعت كلمات السيد الوزير وهو يتحدث عن عاصمة تحمل أحياؤها مختلف الطبقات الاجتماعية، وهو أمر طيب للحفاظ على توازن المدينة، وكي لا تصبح منتجعا، وليست عاصمة كما هو مخطط لها.. ولكن الطبقات الاجتماعية التي ستنتقل ثرية كانت أم دنيا، هي في النهاية يجب أن تخضع لقوانين صارمة، لا تسمح مثلا بمشاهدة ورش أسفل العمارات السكنية، أو محلات تجارية ومشاريع صغيرة بالأحياء السكنية، أو مشاهد معتادة للنقل بالسيرفيس، أو مشكلات تُفتعل تحت مسمى "عاوزين ناكل عيش".. فلا يحق لأي شخص أن يفترش بسلعة الرصيف، كما أنه ليس من المنطقي أن يُشاهد بها المتسولة.

يجب أن يكون كل شيء مُعد، حتى نوعيات أكياس القمامة الموحدة ذاتية الغلق، التي ستوزع على المواطنين، قوانين مراعاة الراحة وتجريم الإزعاج، قوانين النظافة، تجريم تدخل المواطنين في عمل أي جهة رسمية تقوم بمسؤوليتها.. قانون الهندام للموظفين والعاملين.. عامل القمامة الذي له زي لا يقل في نظافته عن زي جراح وهيئة رائد فضاء، ويكون انتقاؤه بعناية وفي سن تسمح له بالعمل، لا فى سن التقاعد والراحة، ولا يغادر الجوانتي راحتيه.

سيارات حديثة مجهزة لنقل القمامة، المفرزة سلفا بالمنازل، حيث توعية المواطنين على تسليم قمامتهم مفرزة بحسب نوعيتها، فقسم للمواد العضوية وبقايا الأطعمة، وقسم للمخلفات الصلبة، وقسم للمخلفات الزجاجية، وحتى ساحات ومصانع فرز القمامة وإعادة تدويرها لتوليد الطاقة وإعادة تصنيع المواد الصلبة والبلاستيكية وغيرها.

المواصلات التي لا تسقط خلفها قطرات الوقود، ولا تخرج عوادم بالمرة.. المحطات المدروسة بعناية وتوزيعها بين أحياء المدينة، والسيارات الكهربائية للنقل داخل الأحياء بدون إزعاج أو كلاكسات.. فليس منطقيا أن نرى ميكروباصات القاهرة والمحافظات التقليدية تمرح بنفس نمطها العشوائي المبتذل، هي فرصة لتتعود أمزجتنا أن وسيلة النقل الآدمية هي الأتوبيسات المتسعة النظيفة، ذات المواعيد الثابتة بمحطاتها.

البُصاق في الطريق العام الذي يستوجب سن قانون عقوبات مشددة، شأنه شأن إلقاء ورقة صغيرة في الطريق، فلم تُفسد مدننا إلا بتجاهل الصغائر، حتى استفحلت وصارت أكواما من الكبائر.

الجدران ليست ملكا لأحد وليس من حق أحد لمسها حتى أو تلويثها براحتيه، فضلا عن كتابة أفكاره وأيدلوجياته وصرخاته عليها,،الدعاية الانتخابية تكون لها ساحة محددة، فليس مسموحا بلصق دعايات انتخابية سمجة مشوّهة، لشخص يعدنا بتنظيف بلادنا! وليس مسموحا ربط اليافطات في أعمدة الإنارة والشرفات، ثم قطع الحبال وترك بقاياها تجمع التراب والسناج بأعلى الأعمدة.

تم الإعلان عن 1250 دور عبادة بالمدينة، بالطبع سيكون أغلبها مساجد، إذا كنت تنوي خلق مجتمع تقليدي، فبالطبع سترسل الدعاة والوعاظ، فلو سرت بحسب المنهج المتبع، ستبدأ جلسات الوعظ في الظهور بين المغرب والعشاء، وسيظهر ضجيج الميكروفونات، وفتوى الخطب والأذان الكاذب، وستتداول الفتاوى والآراء الفقهية التي ستكون محور الأحاديث والنقاشات، وبالطبع ستتكون بؤر سلفية وإخوانية، ومشادات طائفية وغيرها من مظاهر الانهيار والتخلف التي خرّبت بلادنا، أضف إليها حثهم على التناسل والإنجاب، وتخريب عقول الجماهير.

وهو أمر غير منطقي حدوثه في بيئة مستجدة، تبحث عن الانطلاق والخلاص من مسببات تأخر مثيلاتها سابقا، فإذا أردت الحفاظ على رونق هذه المدينة، كمدينة عمل وإدارة وجذب سياحي، فيكون كل شيء بها حتى دور العبادة خاضعة لقواعد صارمة، لا تسمح بحدوث ثغرات تدخل منها جراثيم التطرف والخراب، فلدينا ما يكفي من مدن خربة تحمل بصماتهم اللعينة.

كما أنه ليس من المنطقي أن ينتقل إليها من يحث على التثوير ضد العاصمة نفسها باعتبارها نتاجا وحاضنة لمؤسسات رأسمالية، وإلا فإنك ستجد بعد قليل شعارات "قوم نخرب ها المدينة" تلاحقك بواجهات البنايات، وستصل زجاجات المولوتوف إلى مقر البرلمان الجديد المزمع إنشاؤه بها.

قواعد العمل يجب أن تتضمن الامتناع عن الحديث في السياسة والدين داخل دواوين العمل.

الأنماط المعمارية مطلوب لها أن تحمل سمات حضاراتنا المتعاقبة المصرية القديمة والقبطية والإسلامية، ممتزجة بالطرز الأوربية، والأنماط الحداثية التي بدت في ماكيتات المشروع كناطحات السحاب.

قد تكون هذه مجرد أحلام مرفهة، وتخيلات أقرب لمدينة فاضلة، لكن هي مدينة سبقنا إلى تحقيقها الآخرون، وهي أحلام ضرورية للغاية لمن أراد الخروج بالكيان الجديد على النحو المأمول، والخروج من مكبلاتنا المرهِقة.

في بعض الأجهزة العسكرية، يعلمون أفرادها أن "معظم النار من مستصغر الشرر"، فعلينا أن نخلق مجتمعا مشهودا، لا تتسرب إليه أمراضنا الاجتماعية التى بدأت جميعها صغيرة، بعبارات استخفاف من المُستهتِر إلى المُجِّـد. وأخيرا.. لا بد أن تظل قاهرتنا العتيدة الخالدة هي عاصمة البلاد الأم.

csr