القاهرة 20°
دوت مصر
ميشال عون وسعد الحريري  صورة أرشيفية

«عون» و«الحريري»... بين خصومة الأمس وتحالف اليوم

بدأت العلاقة بين «عون» و«الحريري» من تحالف عام 2005 بعدها حدث توتر متعاظم، ثم تحسنت لتصل إلى حدود اقتناع الحريري بضرورة وصول عون إلى رئاسة الجمهورية.

بيروت- قاسم محمد يوسف:

مرت العلاقة بين «ميشال عون» و«سعد الحريري» بسلسلة من المحطات الأساسية، بدأت من تحالف مفترض عام 2005 ثم توتر متعاظم لامس حدود القطيعة الكاملة، لكنها ما لبثت أن تحسنت لتصل إلى حدود اقتناع الحريري بضرورة وصول عون إلى رئاسة الجمهورية.

ففي الآونة الأخيرة حدثت إنفراجة بين هذين المكوّنين السياسيين الذين يحوزان معاً على ما يقارب نصف مقاعد المجلس النيابي، هذا الانفتاح ترك أكثر من علامة إستفهام حول العلاقة المستجدة بين خصميّ الأمس، لاسيّما وأنها تطورت بسرعة قياسية، أقله على المستوى الإعلامي, بالخطاب والأدبيات السياسية عينها التي رافقت ذروة التوتر بين فريقي الثامن والرابع عشر من آذار.

العودة من المنفى

بعد غياب قسري دام خمسة عشر عاماً, عاد «ميشال عون» من منفاه في باريس إثر إغتيال رئيس وزراء لبنان الأسبق «رفيق الحريري» عام 2005.. وعقب وصوله فوجئ بقيام حلف رباعي يضم (تيار المستقبل, والحزب التقدمي الاشتراكي، وحركة أمل، وحزب الله), ما يعني عملياً, تحالف المسلمين الأقوياء, سنة وشيعة ودروز.

في ضوء هذا المشهد, قرر النائب «عون» خوض المعركة منفرداً, فأعد لوائح مرشحيه في المناطق المسيحية، ودخل الانتخابات النيابية عام 2005, فحصد كتلة نيابية مؤلفة من إحدى وعشرين نائباً ليصبح رئيس ثاني أكبر كتلة في البرلمان اللبناني. وعندما كُلف «فؤاد السنيورة» بتشكيل الحكومة, وأجرى مباحثات مع «عون» حول دخوله مجلس الوزراء، فطالب الأخير بحصة متوازنة؛ كونه يمثل 70% من أصوات المسيحيين, وهي المطالب التي جُوبهت بالرفض وأدت إلى تشكيل الحكومة من دونه.

أعقب هذا الرفض توترًا بين «عون» و«تيار المستقبل» ومن خلفه قوى «الرابع عشر من آذار», وابتعد «عون» شيئاً فشيئاً عن هذه القوى التي كان أحد أركانها, معتبراً بأنها تُريد أن تُحجّمه وتمنعه عن لعب أي دور سياسي منحته إياه الشرعية الشعبية في صناديق الإقتراع.

تحالف مع حزب الله

إستغل حزب الله هذه اللحظة السياسية وفتح قنوات إتصال مع عون خلُصت في نهاية المطاف إلى توقيع وثيقة تفاهم مشتركة بين الأمين العام لحزب الله السيد «حسن نصر الله»، وبين رئيس التيار الوطني الحر العماد «ميشال عون»، في كنيسة مار مخايل بتاريخ 6 فبراير/شباط عام 2006, وهو ما أثار زوبعة من ردود الفعل وأرّخت لبداية وضع سياسي جديد بلّور الإصفاف القائم بين فريقي الثامن والرابع عشر من آذار.

بعد انتهاء حرب لبنان الثانية, أفي 14 أغسطس/ آب عام 2006, شن الأمين العام لحزب الله السيّد «حسن نصر الله» هجوماً عنيفاً على حكومة الرئيس «فؤاد السنيورة», متهماً الأخير وفريقه السياسي بالوقوف ضد المقاومة أثناء الحرب الإسرائيلية, وهو ما تبعه, بعد أقل من ثلاثة أشهر, إستقالة الوزراء الشيعة من الحكومة, الأمر الذي شكل نقطة البداية لتحرك فريق الثامن من آذار بإتجاه إسقاط الحكومة في الشارع.

التحق «ميشال عون» بركب حزب الله, وقادوا معركة شرسة في مواجهة الرئيس فؤاد السنيورة وفريق الرابع عشر من آذار, واستمر التوتر بينه وبين تيار المستقبل والرئيس سعد الحريري استمرت من أواخر العام 2006 ووصل إلى ذروته في 7 مايو/أيار عام 2008؛ حيث عمد حزب الله وحلفائه, إلى إجتياح بعض مناطق بيروت وجبل لبنان, بينما شنّ العماد عون حملة عنيفة على تيار المستقبل وآل الحريري وصلت حدود إتهامه الرئيس الراحل رفيق الحريري وفريقه السياسي بنهب المال العام.

اتفاق الدوحة

نتيجة هذا الوضع, إجتمع القادة السياسيون في قطر ووقعوا «اتفاق الدوحة»، الذي نص على إجراء إنتخابات نيابية في السابع من يونيو/حزيران عام 2009 وفق قانون الستين, مُضافاً إليه بعض التعديلات, وأُجريت الإنتخابات وحصدت قوى الرابع عشر من آذار أكثرية مقاعد المجلس النيابي وشكل «سعد الحريري» الحكومة الجديدة. وعندما بدأ الرئيس الحريري مشاوراته لتشكيل الحكومة, اصطدم بالعماد عون الذي أصر على وجود صهره (زوج ابنته) وزيراً في الحكومة وهو الأمر الذي رفضه الحريري. وبعد خمسة أشهر, تقدّم الرئيس الحريري بإعتذاره عن تشكيل الحكومة نتيجة تعنت عون, فحصلت إستشارات نيابية جديدة أعادت تكليف الحريري مجدداً. ودخل الحريري في مفاوضات شاقة مع عون، وصلت بعد ما يقارب ثلاثة أشهر, إلى تشكيل الحكومة بعد موافقة الحريري على توزير باسيل، وبعد أقل من سنتين على تشكيل الحكومة, أسقطها وزراء فريق الثامن من آذار بعد استقالتهم من منزل العماد «ميشال عون» تزامنا مع دخول سعد الحريري إلى لقاء مع الرئيس الأمريكي باراك أوباما, فدخل إلى اللقاء رئيساً لحكومة قائمة وخرج منه رئيساً لتصريف الأعمال.

سقطت حكومة سعد الحريري, فسارع رئيس الوزراء القطري الأسبق حمد بن جاسم ووزير الخارجة التركي داود أوغلو، لمحاولة لملمة الوضع الداخلي, لكنهم إصطدموا بالعماد «عون» الذي رفض أي حل يعود بموجبه الحريري إلى تشكيل الحكومة الجديدة. وخسر الحريري نتيجة إنتقال جنبلاط إلى ضفة الثامن من آذار, فكُلف الرئيس نجيب ميقاتي بتشكيل الحكومة. وهو ما أدى إلى تصاعد التوتر بين تيار المستقبل والتيار الوطني الحر, وبدأ عون بشن هجوم عنيف على سعد الحريري.

إنطلقت الحملة عبر إعلان العماد عون جملته الشهيرة: "One way ticket", في تعليقه على مغادرة الحريري بيروت, معلناً أمام جمهوره بأنه أعطى الحريري تأشيرة ذهاب بلا عودة, لا إلى لبنان ولا إلى رئاسة الحكومة. وإستمر التوتر على المستويات كافة, ليصل أوائل العام 2013 إلى تقديم التيار الوطني الحر كتابه «الإبراء المستحيل»، الذي تضمن عشرات الوثائق والأدلة حول تورط تيار المستقبل وقياداته بالفساد وبسرقة المال العام.

في المقابل, أصدر تيار المستقبل كتاب «الإفتراء في كتاب الإبراء»، ليرد على الاتهامات الموجهة إليه, وليوجهها إلى عون وفريقه السياسي عبر الإعتماد على وثائق مماثلة تعود إلى فترة ترؤس عون للحكومة بين عاميّ 1988 – 1990. ما رفع نسبة الإحتقان بينهما إلى مستوى غير مسبوق وصلت إلى إعتبار البعض بأن العماد عون حاقدًا, ليس على الحريرية فحسب, بل على الطائفة السنّية برمتها.

بداية الإنفتاح وتشكيل الحكومة

في خضّم هذه الأجواء, عقد التيار الوطني الحر بتاريخ 11 أكتوبر/ تشرين الأول عام 2013 إجتماعاً, لتقييم وضعه القائم ولرسم مستقبله السياسي, في "دير القلعة" بمنطقة "بيت مري" شرقي بيروت عُرف بـ "خلوة دير القلعة", وقد خلص في محصلته إلى ضرورة الإنفتاح على كافة القوى السياسية اللبنانية بما فيها تيار المستقبل وفريق الرابع عشر من آذار.

وبناء عليه, طلب «تكتل التغيير والإصلاح» موعداً من كتلة المستقبل النيابية, وهكذا كان, تحاور المتخاصمون تحت قبة البرلمان وكسروا الجليد القائم وأسسوا لمرحلة سياسية جديدة. وتسارع الحوار على وقع الزيارات المتبادلة بين الوزير جبران باسيل, أحد المقربين من عون, وبين مدير مكتب الرئيس الحريري نادر الحريري, ووصل في نهاية المطاف إلى عقد لقاء جمع العماد عون بالرئيس الحريري في العاصمة الفرنسية باريس.

أولى ثمرات اللقاء كانت تشكيل حكومة الرئيس تمام سلام بعد إنتظار دام قرابة العام, وجاء هذا التشكيل مفاجئاً للجميع نظراً لحجم المعوقات التي كانت تحول دون وصوله إلى نتائج إيجابية, لكن الإنفتاح بين عون والحريري أدى إلى تذليلها عبر التراجع عن الشروط والشروط المضادة.

عون ومشارف الرئاسة

وبناء على ما تقدم، بدأت التكهنات والإشاعات تأخذ طريقها, الجميع يُحلل, يُناقش ويسأل عن تطور العلاقة بين عون والحريري في ظل تكتم شديد, من الطرفين, على مسار المباحثات, هذه الأجواء ترافقت مع رفض العماد عون دخول المعركة الرئاسية كـ "مرشح صدامي" وإصراره على كونه "مرشح وفاق" يجمع الأطياف السياسية ويُعيد ترتيب البيت اللبناني الداخلين وفق منطق الحوار والتعاون.

في المقابل, أعلن تيار المستقبل تأييده لترشّح رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع والتصويت لصالحه، وهذا ما حدث بالفعل, فقد حصد جعجع غالبية أصوات كتلة المستقبل وفريق الرابع عشر من آذار في الدورة الأولى, لكنها لم تؤهله للنجاح كونه يحتاج أصوات ثلثي مجلس النواب. بعدها قطع جعجع الشك باليقين عقب لقائه الحريري في باريس وأعلن أن الحريري طرح عليه فكرة انتخاب العماد «ميشال عون» رئيساً توافقياً.