القاهرة 20°
دوت مصر

علم النفس و الخطاب الديني

استوقفتني الدعوة التي أعلنها الرئيس في خطابه الذي ألقاه في ذكرى المولد النبوي، والتي سبق ووجهها إلى وزير الأوقاف لتكوين لجنة من كبار علماء الاجتماع والنفس والأخلاق والدين لوضع خطة مدروسة لصياغة فهم صحيح للدين وتجديد الخطاب الديني.

البعض سوف يسأل ما هو دور علماء النفس في تجديد الخطاب الديني.الدور كبير جدا و له عدة محاور وآليا، ولكني سوف أركز على حوالي 4 نقاط منها، غسيل المخ، ومهارات التواصل و الاقناع لدى الدعاة الجدد، ومواجهة الحرب النفسية والشائعات بأسلوب علمي، وتحليل شخصيات الإرهابيين الجدد.

هناك علم اسمه علم نفس الأديان religion psychology، في 1950s بدأ عالم النفس الشهير جوردون ألبورت البحث في موضوع الفرد ودينه، وعلم النفس الديني دخل مرة أخرى في مجال علم في الفترة بين 1960 و 1970 و بدأ يأخذ منحنى مختلف و مدارس مختلفة في علم النفس السلوكي و الإنساني و انعكاسه علي شخصية الانسان

حاليا، هناك عودة مرة أخرى في البحث في سيكولوجية الدين و الأسئلة التي تنشأ بشأن الدور الذي تلعبه الروحانية والدين ليس فقط في مجال الصحة النفسية ولكن أيضا في مجال الطاقة الإيجابية والنفسية الإيجابية و وهو مجال حيوي.

باختصار هو دراسة انعكاس الأديان والروحانيات علي الطاقة الايجابية للفرد. هل يركز الدعاة في خطابهم الديني علي سعادة الفرد و كيفية بث الطاقة الإيجابية والأمل. للأسف الخطاب السائد لم يستطيع تفعيل هذه النقطة فمازال الخطاب الديني يعتمد علي بعض القصص القديمة و النوادر و الحكاوي التي لا تستطيع الارتقاء بفكر الشباب وجذبهم .

المدارس الحديثة في علم نفس الأديان بدأت تحلل كتاب إحياء علوم الدين للغزالي وكتاب الحكم العطائية لابن عطاء الله السكندري و قالت انها اول كتب اسلامية تحدثت عن علم النفس .و رصدت أيضا العديد من كتب الصوفية.

هل يتناول الدعاة هذه الكتب أم يتناولون كتب الوهابية البعيدة عن أي روح أو إنسانيات ؟

كل ما نطرحه من أسئلة يدور في فلك مهارات التواصل و الاقناع للدعاة .الدعاة يحتاجون إلى دراسة علوم جدد و خاصة علم نفس الأديان.

نأتي إلى النقطة الأخرى وهي غسيل المخ أو المصطلح الأكثر حداثة و هو إدارة الوعي انها مصطلحات مخابراتية و علوم مخابراتية .البعض سوف يقول لماذا يهتم الدعاة بهذه المصطلحات و العلوم .الإجابة أنها تلزمهم في حربهم ضد الارهاب و مساعدتهم علي تقليل عدد الشباب الذين ينضمون إلى التنظيمات الإرهابية .لأن غسيل المخ لا يتم مواجهته إلا عن طريق الفكر و بخطاب ديني متطور.

مراحل غسيل المخ تمر بعدة مراحل.

في أواخر 1950s، ودرس عالم النفس روبرت جاي ليفتون السجناء السابقين من الحرب الكورية وحرب المخيمات الصينية. وقرر أنهم خضعوا لعمليات غسيل المخ و رصد عمليات الغسيل التي تبدأ بالتعذيب والحرمان من النوم و الاكل و الحرمان الحسي و جعلهم يستمعون إلى جمل مكررة ثابتة.

تبدأ المرحلة الأولى بكسر النفس وصولا لمرحلة السمع والطاعة . تطور هذا الأسلوب و أصبح يعتمد علي أسلوب متطور و هو إدارة الإدراك perception management وهو استخدام وسائل التواصل الاجتماعي و الإعلامي في نشر أفكار معينة و رسائل معينة و هذه نبذة بسيطة هذه نبذة بسيطة عن إدارة الوعي الجمعي.perception management
ويتم استخدام أحدث وسائل وغسيل والمخ واللعب على العقل الجمعي وإثارة الرأي العام ويتم استخدام الدعايا والإعلام والمشاهير والأفلام والمسلسلات والصحف والمواقع الإلكترونية لتوجيه الرأي العام لمعلومة محددة وهدف معين وليس خفيًا سيطرة المخابرات الأمريكية والموساد وعلاقتها الوثيقة بصناع الإعلام وصناع الأفلام الوثائقية في هوليوود.

عكف أغلب الباحثين والعلماء فى مجال علم النفس السياسى على التحليل النفسى للمنظمات الإرهابية وتنظيمات الإسلام السياسى خاصة الإخوان والقاعدة والسلفيين ومحاولة المقارنة النفسية بينهم وبين المنظمات الإجرامية كالمافيا الإيطالية والروسية، وكيف تختار هذه المنظمات رجالها وأفرادها، وهنا سوف نحاول أن نقرأ هذه الظاهرة فى ظل المستجدات الطارئة على التركيبة النفسية والتنظيمية لهذه التنظيمات على العموم وتنظيم داعش على وجه الخصوص.
اختيار الأفراد
تغير منذ بداية القرن الواحد والعشرين فكرة اختيار الأفراد لانضمامهم لهذه المنظمات وأصبح مبنيا على أسس علمية، وتدخل علماء وأطباء نفس ينتمون فكريا لهذا المنظمات و لديهم القدرة على استخدام أحدث أساليب المخ وهناك مجموعة من أطباء النفس تم شراؤهم ماديا عن طريق هذه المنظمات بجانب أجهزة مخابرات.
معايير الاختيار
لم يعد عنصرا الفقر والجهل هما معيار الاختيار لقد انتهى هذا وأصبح عنصرا التعليم والغنى هما المعيار الآن والنموذج لهذا أسامة بن لادن وأيمن الظواهرى ومحمد عطا والآن داعش، فأغلب الشباب الذين يتم اختيارهم على درجة عالية من التعليم وإتقان العديد من اللغات مع الوضع المادى الجيد ولكنه يخترق هؤلاء الشباب عن طريق ضحالة أو غياب الثقافة الدينية لديهم، بجانب استخدام المخدرات والجنس فى ترغيب الشباب فى الانضمام إليهم.

وكذلك يستغلون الذكاء الاجتماعى لدى هؤلاء الشباب وقدرتهم على جذب أشخاص للانضمام إليهم وعمل شبكات واسعة و دوائر اتصالات كبيرة.
• ولع هؤلاء الشباب بالمغامرة والعنف و التحرر من القيود فهناك اختبارات نفسية حديثة تحدد الشخصية المغامرة بسهولة.
• اختيار شخصيات سيكوباتية ضد المجتمع ليس لديهم اهتمام بمشاعر الآخرين و يتلذون بتعذيب الآخرين
• اختيار شباب فاقد للهوية أو الانتماء ويحتاج إلى الانتماء إلى أى كيان حتى لو كان هذا الكيان تخريبى.
كيفية التوظيف
هناك قادة وأتباع القادة يتم تدريبهم على يد أجهزة المخابرات ويأخذون كورسات مختلفة عن الأتباع والقادة يتم اختيارهم عن طريق اختبارات نفسية عديدة والتعرض للعديد من المواقف تحت الضغط وكيفية التخلص منها بجانب الولاء الشديد للفكرة و الاقتناع به.

• غسيل المخ هو ما يتم التعامل به مع الأتباع ومن يفشل يتم التخلص منه وتصفيته معنويا وجعله يصل لمرحلة الانتحار أى يتخلص من نفسه بنفسه وهذه طريقة جديدة للتصفية فلم تعد هذه المنظمات تعتمد على طريقة التصفية الجسدية التى تستهلك وقتا ومجهودا وتجعل المنظمة قابلة للاختراق لأن أى جريمة قتل يتم التحقيق فيها أما جرائم الانتحار فتغلق سريعا.

هذا تلخيص لما ذكرته دراسة التناول الإعلامى والتحليل لداعش والمنظمات الإرهابية فى ورقة بحثية أجراها أستاذ علم نفسى سياسى فى جامعة بيركلى وخبير متخصص فى شئون الإرهاب و الأمن القومى ومحلل سابق فى المخابرات الأمريكية فى شئون الشرق الأوسط على التناول الإعلامى والتحليل النفسى لداعش من عام 2013-2014 و قد رفعت الدراسة تقريرا مكونا من 1400 صفحة للبيت الأبيض والكونجرس، فالدراسة رصدت واخترقت داعش لكنها لم توضح كيفية الاختراق وتم التلميح إلى أنه تم الاختراق عن طريق تتبع نشاطات وتقارير مجموعة من عملاء المخابرات الأمريكية والعربية فى دول الخليج وبعد ذلك تم تحليل هذه التقارير بالدراسة ولم تذكر التفاصيل الدقيقة و لكنها اكتفت بنشر ملخص التقرير فى حوالى 10 صفحات.

من ضمن توصيات الدراسة كانت المطالبة بتطوير الفكر الديني للشباب في العالم لأن الدين الحقيقي هو من يمنع الإنسان من العنف و نشر الأكاذيب و الشائعات و أن يصبح إمعة وتابع .الدين الحقيقي يخلق القائد و المجتهد النقي.

csr