الجيزة 20°
دوت مصر

طبع السنين العجاف

سنطلق على بطلة هذه الحدوتة اسم "إينجما" تيمنًا بآلة التشفير الألمانية الشهيرة. فالآنسة "إينجما" تبدو للكثيرين غير مفهومة ويتردد على لسان المتعاملين معها باستمرار السؤال الأبدي "هي عايزة إيه بالضبط؟".

هي "بنت زي باقي البنات"، عاشت طفلة لا تشغل بالًا بالمستقبل حتى بدأت تطاردها تعليقات "بقيتي عروسة" ومع كل "بقيتي عروسة" بَنَت حلمًا ورسمت طموحًا للمستقبل. وكما أٌقرانها دخلت "مفرمة" التعليم والعمل. ولكنها على عكس أقرانها لم تدخل "مفرمة" الزواج.

"ما حصلش نصيب" يمكن أن تكون مبررًا كافيًا لعدم زواج "إينجما". لكن الحقيقة أن بعيدًا عن النصيب لم تتزوج إينجما لأنها أرادت أن تحتفظ بحق الاختيار. لم تنجح "إينجما" أبدًا في الوقوع في الحب في الصالون، وعندما وقعت في الحب خارجه "وقعت على جذور رقبتها".

مرت "إينجما" بالمراحل المعتادة للحب وكسر القلب مرات، كما مرت بمراحل لوم النفس والتصالح معها. ووصلت "إينجما" لما تظنه خلاصة الحكمة والخبرة، ودعمت التجربة بالقراءة النظرية فمرت على كتب النصائح وغرقت في مقالات التحليل النفسي والدراسات الإجتماعية. أصبحت "إينجما" مستعدة "نظريًا" للاختيار واختارت ولكنها ككل مرة "وقعت على جذور رقبتها".

لم تدخل "إينجما" "مفرمة" الزواج ولكنها دخلت مفرمة الوحدة. ولا يطيق الوحدة إلا إله أو حش بري، ولأن "إينجما" أبعد ما تكون عن الألوهية فأصابها "القليل" من التوحش!

أصبحت "إينجما" مع الوقت أصعب مراسًا، لا لاعتيادها العزلة ولكن لاعتيادها الخذلان. أصبح شعارها "إن سوء الظن من حسن الفطن". تتشكك في كل شيء ولا تبني جسورًا حقيقية للثقة. أصبحت سريعة الغضب وحادة التقلبات المزاجية. وادعت أن سلوكها هذا خبرة وحكمة فهي لم يعد لديها وقت لتحمل الترهات. لكن الحقيقة هي أنها استنفدت أغلب طاقاتها في محاولة السيطرة على الوحدة فلم يتبق لديها ما تواجه به العالم.

نالت الوحدة من أفضل ما في "إينجما"، ومحاولاتها لإنكار هذه الحقيقة أو تغطيتها هو ما يؤدي بمن يتعامل معها لسؤال "هي عايزة إيه بالضبط". وعلى الرغم من أن "إينجما تظن وتردد إنها تعلم جيدًا ماذا تريد إلا أنها في الحقيقة فقط تعرف ما لا تريد. هي لا تريد أن تكون وحيدة، ولكنها لا تعرف كيف السبيل للهروب من "المفرمة". هي لا تعرف كيف السبيل لنور "الونس"، هي لا تعرف كيف السبيل خارج دوامات الغضب، هي لا تعرف كيف تثق في عابر سبيل يشبه كثير سبقوه ويردد ما رددوه.هي لم تعد تتحمل التأرجح بين اليأس والرجاء. وهي لا تجرؤ على المزيد من قفزات الإيمان لأنها قفزت مرارًا ولم تجد في انتظارها سوى الهاوية.

هي لا تعرف ماذا تريد ولكنها تعرف أنها لا تريد المزيد من الهزائم. وقد جعلتها الوحدة أشرس وأكثر حدة في الدفاع عن حدود "أمانها". فإن قررت الاقتراب من "إينجما" فعليك بالحذر والصبر والكثير من العفو و"الطبطبة".

csr