القاهرة 19°
دوت مصر

صفحات مصرية منسية.. سوزانا

تدور أحداث هذه القصة في صيف 1954. في خلفية الأحداث حالة من الالتهاب السياسي الذي يُمكن تتبعه للعام 1951. في عام 1951 أعلن النحاس باشا إلغاء معاهدة 1936 مع بريطانيا العظمى. كانت تسود البلاد حالة من التذمر تجاه الوجود البريطاني وخاصة بعد حرب 1948. إلغاء معاهدة 1936 جاء مواكبًا لهذا التذمر الشعبي ومحفزًا للمزيد منه. بدأت عمليات "فدائية" ضد القوات البريطانية في منطقة القناة.

وفي يناير 1952 قامت القوات البريطانية بمهاجمة مقر بوليس الإسماعيلية بعد احتماء إحدى المجموعات الفدائية به. رفضت قوات البوليس المصرية تسليم الفدائيين واستبسلوا في الدفاع عن مقرهم فاستشهد منهم 50 فردًا وجرح ضعفهم على الأقل. وانتقلت الشرارة من الإسماعيلية للقاهرة فاحترقت!

كانت البلاد تفور وتتابعت حكومات الإنقاذ ولكن كان وقت الإنقاذ قد فات، فقام الضباط الأحرار "بحركتهم المباركة" كجزء من فورة الشعب ثم معبرة عنه. وصول الضباط الأحرار للسلطة لم يقض على "الالتهاب السياسي". استمر الاضطراب و"العنف" والأهم الاحتلال البريطاني في منطقة القناة.

كان العالم في 1954 في سنوات إرساء "نظام عالمي جديد". فعالم ما قبل الحرب العالمية الثانية الذي تسيدته الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس قد انتهى. انتصرت بريطانيا في الحرب ولكنّها خسرت الإمبراطورية. جاء الانسحاب البريطاني من السيطرة العالمية لصالح الشموس الجديدة، الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي. أيدت الشموس الجديدة الحركة المباركة. وكانت الولايات المتحدة الأمريكية تحديدًا من أشد الداعمين لمطالب الضباط الأحرار بجلاء القوات البريطانية عن مصر.

لكن هذا الجلاء كان يعني مشكلة لإسرائيل! المصلحة الإسرائيلية كانت تقتضي استمرار التواجد البريطاني في منطقة قناة السويس كمانع للخطر الذي قد تشكله مصر "القومية" عليها. ومن هنا كان على "أبناء العم" التفكير في طريقة لمنع – أو على أقل تقدير تأجيل – جلاء القوات البريطانية عن مصر.

لا يمكننا معرفة عين اليقين من كان صاحب فكرة الحل، ولكن العملية "سوزانا" ارتبطت في كتب التاريخ باسم وزير الدفاع الإسرائيلي "بنحاس لافون".

كان الحل الإسرائيلي بسيطا، تفجير أماكن المصالح البريطانية والأمريكية وعمليات تخريب أخرى بغرض زعزعة ثقة الجانب الأمريكي والبريطاني في قدرة "النظام المصري" على رعاية مصالحهم وحفظ الأمن وخلق حالة عامة من عدم الاستقرار، مما سيؤدي لإعادة النظر في فكرة جلاء القوات البريطانية من منطقة قناة السويس.

ومن أجل "سوزانا" قامت المخابرات العسكرية الإسرائيلية بتجنيد بعض "الشباب" "المصري" "اليهودي" للقيام بالمهمة. بدأت العمليات التخريبية بتفجير مكتب بريد الإسكندرية في يوليو 1954. كانت سوزانا حلًا عبقريًا وناجحًا.. ولكن القدر (أو الحظ لو عندك مشاكل مع القدر) كان له رأي آخر. اشتعلت قنبلة قبل موعدها، مما أدى للقبض على حاملها ومن بعده باقي أفراد الخلية (عدا بعض الضباط الإسرائيلين المشرفين).

كان لسوزانا تبعات على الجانب الإسرائيلي، تحول على إثرها اسمها لـ "فضيحة لافون". ولكن التبعات الأهم كانت تأثيرها على المشهد المصري. كان الهدف الرئيسي للعملية هو تعطيل جلاء القوات البريطانية ولكنّه لم يحدث، ووقعت اتفاقية الجلاء في ذات العام. لكن أدت "سوزانا" لتأكيد شكوك "النظام المصري" تجاه إسرائيل. وكانت سببًا من أسباب سباق التسلح الذي انتهى بحرب السنوات الست، والتي مازلنا نعيش تبعاتها حتى اللحظة. كما أدت "سوزانا" للتضييق على من تبقى من "اليهود المصريين" ومن ثم "خروجهم" من مصر.

عند هذه النقطة في المعتاد أترك "الحدوتة" للمتلقي ليحدد الدروس المستفادة. ولكن في هذه المرة دعني عزيزي المتلقي أوجهك للدرس الأهم في القصة. الدرس لا يتعلق "بالمؤامرة" ولا تعقيدات السياسة الدولية ولا الفوضى السياسية والثورة. الدرس يتعلق بالولاء!

الملفت في "حدوتة سوزانا"، أن الخلية كانت من المصريين. وتحديدًا من المصريين ذوي الولاء "الديني". لم يكن أعضاء الخلية ليُجندوا لولا أنهم من اليهود (لم يم تجنيدهم بسبب الفقر مثلًا أو الجهل أو غير ذلك من الأسباب). الأمر الذي يذكرنا بأن الولاء الديني - لأي دين وليس اليهودية فقط - يعني بالضرورة إمكانية تحول صاحب هذا الولاء لفرد في خلية تخريبية تسعى لنشر عدم الاستقرار من أجل مصالح دولة (أو دول) أخرى ترعى هذا الدين.

هل تجد الفكرة مرعبة؟

csr