القاهرة 15°
دوت مصر
معرض الكتاب 2017

"شهرزاد" كنز إبداعي في ليالي عرس الكتاب وشاشة السينما

فيما يدخل معرض القاهرة الدولي للكتاب أسبوعه الأخير بدت "شهرزاد" متألقة في ليالي عرس الكتاب التي تختتم يوم العاشر من شهر فبراير الجاري ، وأثار كتاب لافت في هذا الحدث الثقافي المصري الكبير المزيد من الاسئلة حول شخصية شهرزاد الاستثنائية الفريدة التي مازالت تبهر البشر في كل مكان وتلهم الفنانين على مر الزمان .

ومع اهتمام شبابي ملحوظ بهذا الكتاب بعنوانه :"استلهام شخصية شهرزاد في السينما المصرية" يحق التساؤل :"ماالسر فى ان الف ليلة وليلة مازالت قادرة على ابهار الأجيال الجديدة كما ابهرت الأجيال القديمة واى خلطة سحرية حققت لها كل هذا التغلغل والامتاع والاثارة؟!.
وها هي مؤلفة الكتاب الدكتورة نهاد ابراهيم تفتح هذا الكنز الابداعي الذي تركه لنا الأجداد وامتد تأثيره وفاضت عطاياه على الشرق والغرب معا واستلهمه الكثير من المبدعين عبر الوسائط الفنية المختلفة لتقول انه بالرغم من تعدد المسميات لحكاية الصراع الدائر بين شهريار وشهرزاد ومن بينها مسمى "الحكاية الذريعة" ومسمى "الاستهلال" فانها تفضل مسمى "الحكاية الاطار" لأنه الأكثر عمقا ودقة وتحديدا .

وعلى أي حال فكل المسميات بشأن هذا الموروث الشعبي الأصيل تقصد ملابسات الصراع بين شهرزاد وشهريار وهو "الصراع الذي يؤطر حكايات الليالي حتى لحظة عفو شهريار عن شهرزاد" كما توضح الدكتورة نهاد ابراهيم التي تجسد" قيمة الوفاء للآباء الثقافيين" عندما تؤكد ان جهدها البحثي يستكمل مسيرة الكثير من النقاد وفي طليعتهم الراحلة الدكتورة سهير القلماوي "رائدة البحث في الف ليلة وليلة" وهي في الوقت ذاته صاحبة فضل كبير في ظهور معرض القاهرة الدولي للكتاب لحيز الوجود منذ دورته الأولى في عام 1969.

ولئن كانت حكايات الف ليلة تشكل "بنية نفسية اجتماعية وسياسية واقتصادية وانسانية متفردة تصلح لكل العصور" فان الدكتورة نهاد ابراهيم ولجت لمنطقة جديدة في التحليل عندما قدمت عبر تحليل شخصية شهرزاد تفسيرا سياسيا غير مسبوق حتى يحق وصفه "بالتفسير السياسي لهذه الشخصية الخالدة في تاريخ الحكي الانساني".

وفيما تبحث في كتابها الجديد الصادر عن المجلس الأعلى للثقافة سبل استلهام السينما المصرية عبر تاريخها المديد واعمالها المختلفة "صراع الحكاية الاطار" بين شهرزاد وشهريار سواء بشكل مباشر او غير مباشر فانها اقدمت في هذا الكتاب الذي جاء في 476 صفحة من القطع الكبير على "عملية تشريح ثقافي" لهذا الكنز الابداعي المتمثل في شخصية شهرزاد.

والى جانب "التسلية" فحكايات الف ليلة وليلة "منتج شعبي جدير بالدراسة بعمق ومرونة واعتراف بتشعب درجات الحرية الابداعية المكفولة للجميع" فيما تركز نهاد ابراهيم على شخصية شهرزاد ضمن "الحكاية الاطار بين بطلي الصراع" حتى انها ذكرت صراحة ان ذلك "هدف الكتاب".
واذا كانت هناك افلام مصرية تعلن عن استلهامها الصريح لصراع شهرزاد وشهريار عن قصد مثل فيلم "شهرزاد" للمخرج فؤاد الجزايرلي والذي انتج عام 1946وقد لايعرف الكثيرون عنه شيئا لأنه نادرا مايعرض على شاشات التلفزة فان فيلم "الزوجة 13" الذي انتج عام 1962 واخرجه فطين عبد الوهاب قد اشار في السيناريو الى حكايات الف ليلة وليلة كمصدر استلهام.

غير ان الدكتورة نهاد ابراهيم تتحفظ على "اعلان الاستلهام" هذا او "الزج باسم شهرزاد" دون ان تكون هناك علاقة بين الفيلم وبين "صراع الحكاية الاطار" كما تتحفظ بشدة من المنلطق ذاته على الفيلم المصري الحديث "احكي ياشهرزاد" الذي انتج عام 2009 واخرجه يسري نصر الله.
وتشير نهاد ابراهيم الى افلام مصرية اقدمت على فعل الاقتباس غير المباشر او المتواري قليلا لصراع شهريار-شهرزاد مثل فيلم "الزوجة السابعة" الذي انتج عام 1950 وهو من اخراج ابراهيم عمارة وفيلم "الزوج العازب" عام 1966 للمخرج حسن الصيفي.

وثمة قائمة ثالثة تضم افلاما مصرية تعاملت مع الف ليلة وليلة والحكاية الاطار برؤية غير مباشرة و"متوارية كثيرا" وهي قائمة تضم "عدو المرأة" و"كرامة زوجتي" وقبل ذلك فيلم "الشموع السوداء".كما ترى نهاد ابراهيم وكما توضح عبر جهد بحثي وتحليلي يبدد ما قد يثيره هذا الاختيار من استغراب او تصور لعدم وجود صلة بين هذه الأفلام وبين علاقة شهرزاد-شهريار والصراع الجامح بينهما في الف ليلة وليلة.

وبتعبير دال وعميق تقول الدكتورة نهاد ابراهيم ان "شهرزاد هي الحرية او بمعنى ادق عذاب البحث عن الحرية" فيما تمنح لهذه الشخصية الخالدة في التاريخ الثقافي المصري والعربي والعالمي تاج الفضل في "وضع حجر اساس جديد لسريان ناموس الحياة الذي يقوم على وجود الذكر والانثى معا مع تحديد ادوار وواجبات كل منهما دون ان يجور احدهما على كيان وهوية الآخر".

ولو كانت "نورا" بطلة النص المسرحي الشهير "بيت الدمية" لمؤلفه النرويجي الكبير هنريك ابسن هي رمز حرية وتمرد المرأة على قيود الاستعباد في الغرب فان "شهرزاد" كما تقول نهاد ابراهيم كانت النموذج والقدوة لنورا وغيرها في الغرب والشرق معا.
وكانت نهاد ابراهيم قد حصلت على درجة الماجستير عن اطروحة بعنوان "شخصية شهرزاد في الأدب المصري المعاصر" بينما جاءت اطروحتها للدكتوراه بعنوان "اسطورة فاوست بين مارلو وجوتة والحكيم وباكثير وفتحي رضوان-دراسة تحليلية مقارنة".

ومع تأكيدات نهاد ابراهيم على ان كتابها الجديد يركز على شخصية "شهرزاد" فما كان بمقدورها ان تفلت من سطوة حكايات الف ليلة وليلة ككل فيما يبرهن الاهتمام بكتابها مجددا على ان هذه الحكايات "كنز درامي ومعين لاينضب للابداع" في العالم قاطبة على مر الأعوام والأجيال واختلاف الألسن واللغات والمناطق.

وكان الشاعر الراحل الكبير طاهر ابو فاشا قد كتب اكثر من 800 حلقة من "الف ليلة وليلة" بثتها اذاعة البرنامج العام من القاهرة على مدى 26 عاما ومازالت تشكل زادا من الذكريات الرمضانية المبهجة لأجيال عاصرت هذا العمل الاذاعي الخالد منذ ستينيات القرن العشرين والصوت المميز للممثلة الكبيرة زوزو نبيل الذي كان يحلق بالمستمع لعوالم الف ليلة الساحرة.

وبصورة مفعمة بالفانتازيا او تناول الواقع برؤية غير مألوفة كانت حكايات الف ليلة وليلة قد عادت للدراما التلفزيونية في شهر رمضان الفضيل عام 2015 وامتزج عبقها الخالد بأحدث تقنيات الجرافيك ومستحدثات الابهار البصري على شاشة التلفزيون بل ان مخرج هذا العمل رؤوف عبد العزيز استعان بخبراء تقنيين شاركوا في صنع سلسلة افلام هاري بوتر الشهيرة.

واذا كانت الدكتورة نهاد ابراهيم لم تتطرق لهذا المسلسل التلفزيوني على الشاشة الصغيرة بحكم ان كتابها يتعلق بشخصية شهرزاد في السينما او الشاشة الكبيرة فقد رأى الممثل شريف منير الذي تقاسم بطولة هذا المسلسل مع الممثلة نيكول سابا انه على الرغم من تقديم هذا العمل الخالد في الاذاعة والتلفزيون من قبل فان الامكانات التقنية الجديدة يمكن ان تمنح مسلسله المزيد من الابهار.

وفيما قدمت حكايات الف ليلة قد قدمت بصيغ متعددة وقوالب مختلفة في الاذاعة والتلفزيون والسينما فان شريف منير او "شهريار" في هذا المسلسل لم يجانب الصواب عندما اشار الى ان حكايات الف ليلة وليلة قادرة على جذب الصغار والكبار معا فيما اشارت نيكول سابا او "شهرزاد" للمغزى الأخلاقي لهذا العمل والذي ينبغي توصيله للأجيال الجديدة.

واذ تلاحظ الدكتورة نهاد ابراهيم ان حكايات الف ليلة وليلة ترجمت الى الفرنسية اولا فالمثير للتأمل ان الف ليلة وليلة تحولت لظاهرة روائية كونية وهى موضع حفاوة فى المركز الغربى والرؤية الأوروبية منذ ان تمكن انطون جالون فى بداية القرن الثامن عشر وهو عصر التنوير من جمع اول مخطوطة كاملة لها من خلال جولاته فى بلاد الشرق وان يقدم ترجمة فرنسية لها بدأت تخرجها المطابع الفرنسية بين عامى 1705 و1712 اى قبل ان تعرف النسخة العربية من الف ليلة طريقها الى المطبعة فى العالم العربى بأكثر من قرن وربع.

وهكذا افتتحت الف ليلة وليلة كما ترجمها انطوان جالون عصر التنوير الأوروبي وهو عصر فولتير 1694-1778 وجان جاك روسو 1712-1778 وديدرو 1713-1748 ومومنتسكيو وغيرهم من رواد التنوير وقد تأثروا جميعا بهذا العمل الذى اهداه انطون جالون 1646-1715 الى الأدب الفرنسى والآداب العالمية فى ترجمة من اثنى عشر مجلدا.

ابهرت الف ليلة وليلة بترجمتها الفرنسية خاصة القراء وعامتهم حتى ان المطابع الفرنسية وقتها عجزت عن ان توفر نسخا لكل الراغبين فى الشراء فكانت تلجأ الى تأجير النسخة الواحدة بحساب الأيام او الساعات.

واستمر هذا الاعجاب الفرنسى والأوروبى خلال القرن الثامن عشر سواء على مستوى الحديث عن المتعة التى يجدها قارىء الليالى حتى انه ليعيد قراءتها مرات ومرات ويتمنى احدهم وقد أعادها عشرين مرة ان ينساها لكى يتمتع بقراءتها عشرين مرة اخرى او على مستوى ادراك الأثر العميق فى تغيير النظرة التقليدية الى عناصر النفس الانسانية الفاعلة وموقع عنصر الهوى او الحب منها والذى كان يقلل الكلاسيكيون من شأنه ويقدمون عليه عنصر العقل اويغض بعض الفلاسفة من قيمته واهميته !.

فاذا بشخصية شهرزاد تثبت انه اقوى عناصر النفس وانه نجح فى ايقاف سفك الدماء الذى لم تنجح فيه سيوف الرجال ولا عضلاتهم وانه استعان بالحكاية والكلمة لكى يجعلها معادلا للحياة ذاتها بينما ترى نهاد ابراهيم ان حكايات الف ليلة وليلة حملت الكثير من قضايا الرومانتيكية وترجيح كفة العاطفة في الاهتداء الى الحقائق الكبرى في الحياة .

وبعد ترجمة انطوان جالون انطلقت موجة من الترجمات لألف ليلة فى اغلب لغات العالم حتى لم تكد تخلو لغة من اللغات الكبرى او الصغرى من ترجمة هذا العمل الخالد اليها.. لقد طرحت الدراسات التى انطلقت مع سلفستر دى ساسى منذ بدايات القرن التاسع عشر مجموعة كبرى من الاسئلة والفروض والاطروحات حول الف ليلة وتطور مخطوطاتها وتعدد مراحلها من الليالى الهندية الى الليالى البغدادية الى الليالى القاهرية.

وكذلك تتبع فترات تدوينها ومحاولة تحديد التاريخ الدقيق لاستقرار النسخة المكتوبة فى القاهرة نحو عام 1530 فضلا عن الوقوف امام مستويات النص النثرى بها ومصادر النص الشعرى ودلالات الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية ومحاولة القياس الدقيق لنبض العالم الاسلامى خلال المراحل المختلفة التى مرت بها حكايات الف ليلة وليلة على امتداد اكثر من ستة قرون عاشها النص المفتوح لها حتى استقر بالقاهرة فى القرن السادس عشر .

ولئن رأت الدكتورة نهاد ابراهيم في سياق جهدها البحثي ان شهرزاد "قامت بأول انقلاب سلمي لاعادة الرأس المقلوبة لشهريار الى وضعها الطبيعي ليرى العالم رؤية صحيحة بديلا عن الرؤية المقلوبة "فمن المشاهد المألوفة فى صرح اكاديمى مثل جامعة السوربون والكوليج دى فرانس ان تجد حلقات بحثية حول الف ليلة وليلة يشارك فيها اساتذة من تخصصات مختلفة يحللون معا حكاية من حكايات الف ليلة من زوايا متعددة مثل حكاية ابو صير وابو قير وان تنساب التآملات العميقة حول الجوانب الحضارية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية للمجتمع العربى الاسلامى .

ويؤكد كثير من النقاد ومن بينهم عميد الأدب العربى الراحل طه حسين على ان أثار الف ليلة وليلة واضحة فى حكايات فولتير سواء على مستوى المادة الخام او التقنيات الروائية ..فقد مر فولتير بمرحلة فى حياته قرأ فيها ترجمة الف ليلة وليلة فشاقته وراقته ووجهته الى دراسة امور الشرق فغرق فى هذه الدراسة الى اذنيه واخرج الى الناس قصصا شرقية بارعة كثيرة.

وايا كان المقياس الذى يمكن ان يتخذه القارىء او الدارس معيارا لعظمة عمل ادبى ما فان الف ليلة وليلة ستظل فى الصدارة بين تلك الأعمال العالمية الكبيرة فيما يتسع المجال الذى يضم قارئيها ليشمل الفيلسوف المتعمق والمؤرخ المدقق وعالم الاجتماع والباحث فى تطور اللغة او فى انتقال الأساطير الى جانب جمهور عريض من طلاب التسلية او المتعة وعشاق الرحلة فى عالم الجان والخيال والانتقال الميسور فى المكان والزمان على اجنحة رخ السندباد او اشعة مصباح علاء الدين او الانغماس فى صفوف الذين يتبعون على بابا لاقتحام الكنز الدفين.

وهنا يحق القول بأن نهاد ابراهيم بكتابها الجديد حفرت لنفسها مكانة مستحقة بين تناولوا هذا الأثر الأدبي والعمل الثقافي الخالد وها هي تؤكد على ان شهرزاد تبحث عن الأمل الانساني المنشود في كل زمان ومكان وصياغة المنظومة الاجتماعية العادلة والتي قد يفضي غيابها اوة خللها لفعل الخيانة المقيت.
ولئن صدر الكتاب الجديد للدكتورة نهاد ابراهيم عن "شهرزاد" في القاهرة قلب الشرق الثقافي فهناك كتاب جديد في الغرب الثقافي للكاتبة والروائية والأكاديمية البريطانية مارينا وارنر بعنوان "سحر غريب" عن الف ليلة وليلة الساحرة الخالدة فى الشرق والغرب معا فيما تقول المؤلفة ان هذا العمل الفاتن عبر التاريخ والأجيال يثبت ان الفن قادر على رد الموت وان السرد المبدع يعادل الحياة فى مواجهة الشرور وازهاق ارواح البشر .

وبدا الكتاب الجديد الذى يقع فى 436 صفحة وكأنه تشريح منهجى معرفى لألف ليلة وليلة فيما تلفت مارينا وارنر الى ان الف ليلة وليلة هى" حكايات داخل الحكايات وحكايات عن الحكايات" بما يتجاوز التسلية البسيطة او السطحية ومن ثم فالليالى بحاجة لقراءة واعية كما فعلت الكاتبة المصرية نهاد ابراهيم .
ومن اول وهلة يلحظ القارىء مدى الاتقان فى هذا الكتاب حيث عمدت المؤلفة للشرح المضىء مع المعلومات الغزيرة والهوامش التى تخدم المتن دون ان تشوش عليه فضلا عن تنوع المصادر وتعدد المراجع التى استعانت بها فى حديثها عن السحر الغريب لألف ليلة وليلة.

وفيما لاتستبعد مارينا وارنر ان يكون المترجم الفرنسى جالاند قد استحدث بعض التعديلات والاضافات اثناء ترجمته لهذا العمل الخالد وتبدو مستحسنة لهذا التوجه فى الترجمة فهي رؤية لم تغب ايضا عن ذهن الكاتبة المصرية نهاد ابراهيم في كتابها الجديد كما انها اوضحت ان "قانون المبالغات معترف به في حكايات الف ليلة وليلة" .

وبمقارنة طريفة توضح نهاد ابراهيم ايضا انه اذا كان "شاه زمان" شقيق شهريار قد قام بدور الوسيط في نص حكايات الف ليلة وليلة ليفتح الطريق امام شقيقه البطل فان هذا الدور يلعبه على الشاشة صديق البطل في الأفلام التي قدمتها السينما المصرية مستلهمة علاقة شهريار-شهرزاد.
وبطابع الحال لم يخل كتاب نهاد ابراهيم من حكايات واشارات "لعالم العفاريت والجان" تماما كما انه من طرائف الاكتشافات فى الكتاب الجديد لمارينا وارنر ماتؤكده المؤلفة البريطانية من ان بعض المناطق فى المشرق العربى كانت تسلم فى القرن الرابع عشر بمسألة زواج الانس والجان بل ان الأمر وصل لحد تقنين هذه الزيجات.

ولئن تناولت نهاد ابراهيم استلهام شخصية شهرزاد في السينما المصرية فقد خصصت مارينا وارنر حيزا فى كتابها لمناقشة قضية علاقة الانسان بالجماد كما تضمنتها الف ليلة وليلة من بساط الريح الى مصباح علاء الدين وهى قضية راسخة فى الذهن الانسانى ولعلها تتجلى بوضوح فى الرسوم المتحركة كفن معاصر بل ان النظرة المتمعنة تكشف عن تأثير كبير لألف ليلة وليلة على هذا الفن المعاصر.

واذا كانت شهرزاد قد اختارت ان تحكى كل ليلة حكاية لشهريار فداء للانسانية فانها اهدت البشرية كلها فنا خالدا وحكايات مازالت تبهر الشرق والغرب معا وانجازات ثقافية بلغات متعددة كما فعلت المصرية نهاد ابراهيم والبريطانية مارينا وارنر .

وضمن سعيها البحثي تطرح الكاتبة المصرية نهاد ابراهيم رؤى جديدة لمفاهيم مثل مفهوم الصبر و"الاستشفاء الداخلي للانسان" في حكايات الف ليلة وليلة ناهيك عن معالجتها العميقة للعلاقة بين فعل الخيانة والمخاطر السياسية وهي تنهل من ذلك الكنز الابداعي الذي تركه لنا "الراوي الشعبي المجهول"
وهو في الواقع صوت ثقافتنا الشعبية البالغة الثراء ولسان الأجداد وخلاصة ابداعية لتجاربهم في الحياة التي مازالت السينما تستلهمها وتنعم بجمال شخصياتها كما هو الحال مع شخصية شهرزاد.

انها شهرزاد "احدى اعز بنات حواء لكنها ليست ابدا كل حواء" كما تصفها نهاد ابراهيم التي ترفض كمثقفة مصرية كل انواع التسلط والتفكير الاحادي وتبحث بشجاعة عن الجمال والايجابية والأمل..وهاهي تجد شيئا مما تبحث عنه في هذا الأثر الانساني الثقافي الخالد لأن الجوانب الثرية فى حكايات الف ليلة وليلة لاحدود لها وهى تتضاعف مع الأيام عندما نتأملها منطلقين من داخل العمل ومن مثله الى اشعاعاته.

ذلك مافعلته نهاد ابراهيم في كتابها الجديد " استلهام شخصية شهرزاد في السينما المصرية" لتقدم للقاريء الكثير من المتعة والمعرفة معا وكأنها تسعى ايضا لتطوير مفهوم للحداثة الشرقية يدخل فيها عنصر الواقعية السحرية كما تجسده حكايات الف ليلة ..فتحية لمثقفة مصرية تبحث عن الحرية في تراثنا ا الخالد الذي بات ملكا للانسانية كلها..تحية لكاتبة فيها مايشبه البنفسج ومايشبه كل المصريين في سعيهم النبيل للحق والخير والجمال.


csr