القاهرة 21°
شركاء

شركاء "قاتل" محمود بيومي!

كأن الأحياء تنتظر وقوع الكارثة لتبدأ التحرك، والقيام بدورها المنوط بها.

حي مصر الجديدة انتفض فجأة، واستيقظ من سباته العميق، وشن حملة إزالات واسعة على الكافيهات والمطاعم غير المرخصة، عقب مقتل الشاب "محمود بيومي" بعد مباراة "مصر، الكاميرون"، على يد أحد العاملين بمقهى "كيف".

على الرغم من اعتراف عامل الكافيه بقتل محمود "دون تحريض من أحد"، إلا أنه- على الأقل بالنسبة لي- ليس المتورط الوحيد في هذه الجريمة البشعة، بل معه شركاء آخرون، وإن كان القانون لن يوجه إليهم أية إدانة.

فمن هم هؤلاء الشركاء؟ وما مدى مسؤوليتهم عن هذا الحادث الإجرامي؟ وكيف تتم معاقبتهم؟ وهل من سبيل لتلافي وقوع مثل هذه الجرائم، أو على الأقل الحد منها؟

الإجابة على هذه التساؤلات، قد تستلزم حكاية تجربتي الشخصية مع عالم المقاهي، والأحياء، وشرطة المرافق، والبيئة، والكهرباء؛ لنتبين حجم المأساة، وأننا نجلس على فوهة بركان فساد!

قبل شهر مارس 2011، ولمدة ثلاث سنوات، تورطت في استئجار "كافيه" خلف "البحث الجنائي، بمساكن الضباط بالمعادي. ولأنني "غشيم"، أو لم تكن لي تجربة وخبرة بدهاليز وخبايا هذا العالم، فقد تعرضت لـ"عملية نصب" بعد أن وقعت عقد الاستئجار، حيث اكتشفت- بعد ذلك- أن الكافيه بدون عداد كهرباء، وبدون رخصة، وعليه غرامات ومخالفات كثيرة!

هنا كان عليَّ أحد أمور ثلاثة: السعي في ترخيص المهقى. أو الاستمرار في لعبة القمار ومواصلة مدة العقد مهما كانت العواقب، و"أنا ونصيبي". أو فسخ العقد وتحمل الشرط الجزائي الكبير؛ لأن "القانون لا يحمي المغفلين"، كما أخبرني صاحب المقهى.

ولأن الأمر الأول كان مستحيلًا؛ خاصة بعدما عرفت أن ترخيص المقهى قد يكلفني (خمسة ملايين جنيه)، فقد استقريت على الخيار الثاني.. ورويدًا رويدًا علمني رفقاء المقاهي أصول اللعبة، وطريقة التعامل مع الحي، وشرطة المرافق، ومحاضر البيئة، ومخالفات الكهرباء.. كل مشكلة كانت تُحل بـ"الفلوس"؛ لدرجة أنني اخترعت بيت شعر ساخرًا لهذا الغرض:

ألا بـ"القرش" تبلغ ما تريد ## وبـ"الرشوة" يلين لك الحديد

المهم.. بالـ"الفلوس" استطعت توفير أبسط درجات الحماية لنفسي وللكافيه.. وقبل كل حملة يشنها الحي، أو المرافق، أو البيئة، او الكهرباء، أو المحافظة، أو حملات مكبرة.. كانت تأتيني مكالمة من أحد أعضاء الحملة: "اقفل دلوقت لغاية ما الحملة تعدي".. فأجيبه: "عُلم وجاري التنفيذ"!

بعد ذلك يأتيني هذا "فاعل الخير"، ويأخذ ما فيه النصيب جراء مكالمته.. والنصيب هنا ورقة مالية لا تقل بحال عن الأحوال عن "10 شمعات".

الجرة لم تسلم كل مرة.. ففي بعض الأحيان يطلب مني "فاعل الخير" ترك بعض الكراسي والترابيزات المتهالكة، والشيش (جمع شيشة) الميؤوس منها، لعمل محضر بها؛ "عشان نخزي العين"!

وعندما تتغول الحملة وتأخذ أكثر من المتفق عليه، يطمئنني "فاعل الخير"، ويطالبني بالذهاب إلى شخص يدعى "سعد"، أمين مخزن المعادي والبساتين، وهناك، وبقليل من الأموال أستبدل الكرسي والترابيزات البامبو بالكراسي والترابيزات البلاستيك المكسرة.. وهكذا.

حتى الكهرباء والمياه، وجدت لهما حلا عن طريق "فواعل الخير"، و"كله بحسابه"، لكني أعترف أن "حسابه" هذا كان أقل من أن أدفع قيمة الفواتير التي كان يعاني منها أصحاب الكافيهات المجاورة.

والأدهى من ذلك، في أحد الأيام تعرض المقهى لـ"التشمييع"؛ بسبب شكوى أحد لواءات الجيش.. اتصلت بـ"فاعل الخير"، فأخبرني بـ"فض الشمع"، ومزاولة نشاطي كالمعتاد.. وعندما أخبرته بمخاوفي، أطلق ضحكة هائلة، قائلًا: "ميبقاش قلبك ضعيف كده.. عقوبة فض ختم الشمع 50 جنيه.. يعني حاجة ببلاش كده يا باشا".. وقد كان!

ومنذ بضعة أيام، وأمام مبنى حي ومجمع الخدمات والشرطة بالمقطم- محل إقامتي-، وجدت عشرات من العاملين في المقاهي الممتدة من محطة المفارق وحتى موقف الأتوبيسات، يستجيبون لنداء أحد الأشخاص الذي يرتدي زيًا مدنيًا، ويرفعون الكراسي والطاولات التي تحتل نهر الشارع، ولا تترك إلا مسافة تكفي بالكاد لمرور أتوبيس واحد.

استفسرت عن سر هذا "الالتزام" المفاجئ، فتأكدت ظنوني.. أحد الأشخاص أبلغ أصحاب المقاهي بموعد مرور "حملة مكبرة" من المرافق والمباحث والمرور والصحة والبيئة؛ وطالبهم بأن يأخذوا حذرهم!

وقفتُ لمراقبة الموقف.. دقائق وظهرت الحملة، وبدأت تنفيذ مهامها.. ورفعت كرأسي وطاولات متهالكة، وأزالت بعض الإشغالات، وحررت محاضر لبعض العمال وأصحاب المقاهي.. وبعد أن أنهت الحملة عملها، "عادت الحاجة ريمة إلى عادتها القديمة".

وخلال حوار قصير دار بيني وبين أصحاب المقاهي، باعتباري "زميل كار" قديم؛ اتهموا بعض موظفي الحي، والشرطة بتلقي "رشاوي" منهم، وأنهم يخصصون "رواتب شهرية" لهم؛ للتغاضي عن مخالفاتهم، واحتلالهم الشارع.. وهؤلاء هم الذين يتولون إخبار المخالفين بموعد الحملات التي يشنها الحي، أو المحافظة، أو مديرية الأمن.

هذه المشاهد تعيدنا إلى المقدمة.. أن الأحياء والمحليات والمحافظات، تنتظر الكوارث وتسليط الإعلام على الفواجع؛ لتتحرك وتؤدي دورها المنوط بها.. وأنها تعلم تمام أن نحو 90% من المقاهي والمطاعم "غير مرخصة"، لكنها تتركها تمارس عملها، وتغض الطرف عنها، إعمالا بمنطق "نَفَّعْ واستنفع"!

وإذا كنا سنحاسب عامل مقهى كافيه على جريمة القتل التي ارتكبها بحق الشاب محمود بيومي، فيجب محاسبة كل المسؤولين المقصرين في أداء مهامهم، وتركوا المقاهي تنتشر كما السرطان في جسد الوطن المتهالك، وتقاعسوا عن إزالة المباني المخالفة التي تقع فوق رؤوس ساكنيها.

وقبل كل ذلك يجب تعديل القوانين والتشريعات الخاصة بإصدار التراخيص، وتغليظ العقوبات على المخالفين؛ لردع أصحاب النفوس المريضة.. فهل من مجيب، أم سننتظر وقوع كوارث أخرى لنستيقظ من سباتنا العميق؟!