القاهرة 21°
دوت مصر

سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنسَى

عزيزي..
هل أعرفك؟

تطاردني الفكرة بإلحاح. ماذا أعرف عنك؟ أمك، وأبوك، وإخوتك، وعملك وتاريخ صداقاتك وعداءاتك، أرقام هواتفك وعنوان سكنك. أعرف مخاوفك التي تسرها قبل التي تعلنها، وأعرف ميولك السياسية، وعلاقتك مع الله، كما أعرف أكلاتك المفضلة وكم من ملاعق السكر تضيف على كوب الشاي.

هل ما أعرفه يكفي؟

تطاردني الفكرة بإلحاح منذ اليوم الذي فشلت فيه في شراء كتاب يوافق ذوقك. باغتتني حقيقة أنني لا أعرف كاتبك الأثير ولا كتابك المفضل. أنا حتى لا أعرف إذا ما كنت من "القراء" أم أنت ممن يقرأ مضطرًا.

هل تقرأ؟ هل تقرأني؟
عزيزي، هل تعرفني؟

لم أكتب لك ولا عنك، ولم أسألك إذا ما كنت تقرأ أيًا مما أكتب أبدًا. خشيت إن كتبت أو سألت أن تصيبك لعنة الكتابة كما أصابت غيرك. فغيرك- من تعلم عنهم ومن لا تعلم- فرقت بيني وبينهم الكتابة. فرقت بيني وبين من كتبت له ولم يقرأ، كما فرقت بيني وبين من كتبت له فقرأ.

من لم يقرأ لم يهتم بأن يعرفني، اختار طوعًا أن يرى فقط ما يظهر مني. من لم يقرأ لم يهتم أبدًا بالأفكار ولم يسع أبدًا لإيجاد الإجابات للأسئلة المعلقة. من لم يقرأ، لم يقرأ أنني لا أحيا دون كتابة وأنه من دون قراءة لابد أن الحب سيفتر.

أما من قرأ، فليته لم يقرأ. فقد قرأ السطور وما بينها. قرأ اليأس والرجاء. قرأ التعلق، قرأ القلق والخوف، قرأ مصادر البهجة ومنابع الشقاء. أصبحت بقرائته في موقف ضعف، ومن موقف قوته أمسك بخيوط العلاقة ثم أفلتها ببساطة.

لم أرد لنا مصيرًا شبيهًا فلم أكتب عنك ولا لك ولم أطلب رأيك أبدًا فيما أكتب. تركت قرار القراءة لك، كما تركت أنت قرار الكتابة لي. حتى طاردتني أفكار "المعرفة" وأدركت أنه آن أوان الكتابة. لأنه لا يمكن لي أن "أعرفك" دون أن تعرفني. وحتى تعرفني يجب أن تقرأني ولو مرة.

سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنسَى ..

لا تقرأ. لا تهتم. لا تلق بالًا لتفاصيل. لا تبحث عن وعدٍ ووعيدٍ بين سطور. "طنش"،"فوت"، ولا تنسى أن تلقاني في كل مرة بذراعيك المفتوحة. لا تنسى أن في كل لقاء وداع. لا تغتر بغدٍ قد لا يأتي أبدًا، فنحن لا نملك غير الآن.

عزيزي، "تبت في اللحظة وطول في الحضن"!

csr