القاهرة 19°
دوت مصر
رغدة السعيد

سرك في ميكروفون (حروب الجيل الرابع)

المشهد العظيم العزاء للفنان الراحل محمود عبد العزيز، في فيلم الكيت كات، قعدة صفا بيحكي فيها كل أسرار الحي، والميكروفون مفتوح و كله على عينك يا تاجر.. الكوميديا دي بعد سنين أصبحت واقعنا الحالي للأسف، ا لواقع ده متفرضش علينا الواقع ده احنا اللي فرضناه على نفسنا.

لما توصل مرحلة إني الاقي جزمة صاحبتي على ستاتس الواتس آب، و أكلمها اسألها، تتخض وتبص وتلاقيها وتقولي: ابني كان على حجري وبيلعب بالموبيل.. أنا مش متخيلة اننا وصلنا للدرجة دي .

حروب الجيل الرابع، وهي حروب التكنولوجيا انتصرت علينا جميعا، أصبحت حكاياتنا على الملأ، خروجاتنا، زياراتنا وكل خطوة بنعملها.

زمان لما كانت جدتي هتتجوز جدي يادوب شاف وشها، آه طبعًا ده غلط أو مش عملي، إنما دلوقتي العكس ١٨٠ درجة، ده مش صح كمان .

خرايط جوجل عارفة كل حاجة عننا و بتفكرنا بمواعيد سفرياتنا، دي بتقول لنا كمان هنوصل معادنا الساعة كام والتأخير قد إيه، و هي اللي تختار لنا طريقنا (الطريق السالك أكتر طبعا) وإحنا شاطرين و بنسمع الكلام، إحنا وصلنا لدرجة إن صوت الست اللي في خرايط جوجل ممكن يبقي أقرب لنا وبنسمعه أكتر من صوت اصحابنا وزمايلنا .

هي المشكلة اننا عارفين المشكلة!، أيوه إحنا اللي بنعرض حياتنا الشخصية، وكل تفاصيلها على الملأ، ولو حاولت تبقي كتوم أو متنزلش بوستات خروجات مثلاً هيحصلك إرهاب فكري من خوفك إن الناس تقول عليك بتخزي العين ، تخيلوا بقي لو منزلتش صورتك في خروجة ولا زيارة يتقال عليك كده !! المشكلة الأكبر بقى اننا وصلنا إن ناس تتصور سيلفي المحلول في المستشفي! و سيلفي الكسر و الجبيرة.

إنت مش من حقك تنتهك خصوصية شخص في الشارع وتنشر صورته عشان لايك أو شير، ممكن يحصل واحد في المية إن الموضوع يكون يستحق زي "منى" اللي بتجر العربية و الشباب قاعد عالقهوة، بس نرجع نقول.."مش من حقك".

الكوميدي بقي في الموضوع إن لو حد سألني فاكره كذا أو كذا؟ مش من حقي أرد اقول: هو أنا فاكرة أكلت ايه إمبارح!! لان الشخص ده هيقولي أنا فاكر انت أكلتي كذا وكذا شوفت الصور عالانستجرام..طب مانا فعلاً بعمل كده (كنوع من مكافأة اني طبخت و كده)، أو بتحليل علمي أكتر أنا كمان اتعديت من الفيروس ده.

صدق من اسماه الـSmart Phone أو الهاتف الذكي، ببساطة لأنه أذكي مننا وهو اللي بيفرض علينا اللي بنعمله، واحنا بنمشي وراه .

مفتكرش بقى فيه كلمة اسمها سر اليومين دول، السر بقي علني، احنا اللي بنعمل كدة في نفسنا للأسف.

"جابرييل جارسيا ماركيز: للإنسان ٣ حيوات، عامة وخاصة وسرية".. غالبا دلوقتي بقوا حياة ونص أو حياة واحدة بس، وخلطنا الخاص بالعام والسري بالخاص، من الآخر، السر مبقاش في بير بقى في ميكروفون.

طبيعي نكون عايزين نسجل لحظاتنا ونستمتع بيها في صور كتير بس الأحلى إننا نعيش اللحظات دي ونحس بجمالها ونصورها بس مش بغرض النشر .

تحية لمن حافظ و يحافظ على كتمان أسراره والاحتفاظ بخصوصيته في معركة الجيل الرابع.

csr