القاهرة 19°
دوت مصر

رهانات كليوباترا الخاسرة

كليوباترا السابعة آخر ملوك مصر من البطالمة. والبطلة الملهمة التي أثارت خيال الأدباء والشعراء لم تكن كبقية نساء عصرها (وعصور تلتها)، ففي حين تُقدم النساء عادة بصفة الجمال، توصف كليوباترا أولًا بالذكاء، وثانيًا بسعة الثقافة وطلاقة اللسان وفي الأخير يأتي الجمال، ليس لأنه ينقصها بل لأن غيره من صفاتها أشد فتنة من أي وصف للجمال.

ورثت كليوباترا حكم مصر مع أخيها في فترة عصيبة من تاريخ مصر والعالم. لم تكتفِ كليوباترا بمشاركة أخيها الحكم وبدأ الصراع. دفعها هذا الصراع للهرب من مصر لسوريا. وفي سوريا، قامت كليوباترا بما يقوم به الملوك عادة عندما يجبرهم أعداؤهم على الهرب. استعدت للحرب.

عادت كليوباترا إلى مصر على رأس جيش لتسترد ملكها. وكان العالم وقتها على مشارف "نظام عالمي جديد". كان تحالف الحكم الثلاثي الأول يسقط في روما سيدة العالم. مات كراسوس واشتبك بومبي ويوليوس قيصر في حرب أهلية، هرب على إثرها بومبي لمصر طالبًا اللجوء من بطليموس الثالث عشر (أخو كليوباترا ومنازعها على العرش).

نصب بطليموس فخًا لبومبي وقتله ظنًا منه أن في قتله إرضاءً لقيصر الذي أصبح بموت بومبي سيدًا لروما سيدة العالم. ولكن رأس بومبي لم تشفع لبطليموس الثالث عشر. في حين تمكنت كليوباترا من استمالته وإقناعه، بعد أن رتبت دخولها لغرفته ملفوفة في سجادة. وهكذا أصبحت كليوباترا ملكة مصر.

وطدت كليوباترا علاقتها بقيصر بعد حادثة السجادة. كانت كليوباترا امرأة طموح ولم يقف طموحها عند عرش مصر. كانت تطمح في أن تحكم العالم، وكان قيصر يحكم العالم وهكذا جمعهما "الحب"، حب المجد!

لم تتزوج قيصر ولكنها أنجبت منه طفلا لم يهتم قيصر بإثبات نسبه إليه. تبعت كليوباترا قيصر إلى روما. ومكثت في معيته سنتين. كانت خطة كليوباترا تسير على خير ما يرام لولا أن روما ضربتها القلاقل من جديد وقُتل يوليوس قيصر.

وفي حين عادت كليوباترا لمصر استقرت روما على تقسيم العالم بين ثلاثة من ورثة قيصر. ووقعت مصر، ومن ثم كليوباترا، ضمن نصيب مارك أنطونيو.

وكما راهنت كليوباترا على يوليوس قيصر راهنت على مارك أنطونيو، وبدا أن رهانها في محله. كان أنطونيو رجلًا محبًا للمباهج وكانت كليوباترا بهجة لا يُمكن لمثله تجاهلها.

جمعهما الحب ربما، لكن في الأغلب جمعتهما المصلحة. كانت كليوباترا تبحث عن المجد وكان يبحث عن اللذة. لم تبخل كليوباترا عليه باللذات وقابل عطاءها بسخاء. فمنحها الممالك بجانب حكمها لمصر. وتوج أبناءه منها ملوكًا رغم أنه ككقيصر لم يتزوجها.

وكادت حياتهما لتستمر في هناء لولا أن كليوباترا نست أو تناست أن لمارك أنطونيو شركاء في حكم العالم. وأنها لن تتمكن من استمالتهم جميعًا باللذة.

كان طموح كليوباترا وإشباع أنطونيو لهذا الطموح هو مدخل أعداء أنطونيو لحربه. وبدلًا من أن تكون كليوباترا دعمًا حقيقيًا له، كما تعاهدا، تحولت إلى عبء. ربما كانت تصرفاتها نابعة من سوء تقدير وربما كانت مناورة في سبيل رهان جديد. بغض النظر عن الدوافع، كانت كليوباترا سببًا من أسباب هزيمة أنطونيو في أكتيوم. وكانت هزيمة أكتيوم هي بداية نهايته وكان في نهايته نهايتها.

كانت كليوباترا امرأة ذكية استخدمت ما لديها من جمال وثقافة واسعة لتوفير "مستقبل آمن". فأتى لها المستقبل الآمن بسرير ذهبي ولدغة ثعبان!

csr