القاهرة 20°
دوت مصر
خيبتنا.. في نخبتنا

خيبتنا.. في نخبتنا

 

في كل عيد من أعياد الوطن يخرج عبيد جماعة الإخوان لإفساد فرحتنا، يا الله!!

ما هذه المعاناة التي أوجعتنا ولا تزال ؟ منهم كانت الوجيعة . ومن جهلهم كان الألم . ولكي لا تغرق في التخمينات، دعني أُخبرك أنني أتحدث عن نخبتنا، لا عن جماعة الإخوان .

فما تمارسه تلك الجماعة، كان من اليسير أن يعرفه أصغر طفل في مصر؛ ولكنني أعني، هنا، تلك النخبة الفاشلة التي صدعت رؤوسنا بنظريات ونظريات، وإذا بها في نهاية المطاف أجهل من الجهل ذاته، تصدق فيهم المقولة الشهيرة لعميد الأدب العربي: "أولئك رضوا بجهلهم ورضي جهلهم عنهم".

حين رأيتهم يهرعون إلى فندق "الفيرمونت" ليلتقوا محمد مرسي، ويعاهدونه على الوقوف معه في الانتخابات الرئاسية الماضية، قلت في نفسي: أبشري بالخراب يا مصر .

فمن كانوا من المفترض أن يفهموا جهلوا، ومن كانوا من المفترض أن يرتبوا أولويات الوطن، ترتيباً صحيحاً، سلمونا لجماعة إرهابية .. هي في حقيقتها أكبر خطراً على الأمن القومي المصري، وجلوسها على كرسي الحكم جعل أسرارنا القومية كلاً مباحاً للتنظيم الدولي .

وكانت الفاجعة يوم أن سمعت، بعد سقوط الإخوان، أحد كبار النخبة وهو يقول: "كنت أعتقد أن جماعة الإخوان ستطبق مشروعها السياسي"!.

لم يعلم الرجل النخبوي أن جماعة الإخوان لم يكن لها أي مشروع سياسي للحكم ، ولا أظن أنها فكرت في يوم من الأيام أن يكون لها مثل هذا المشروع .

بل، على مدار وجودها ، ظلت تلك الجماعة لا تحمل تصوراً واضحاً لمعنى الشعار الذي رفعته (الإسلام هو الحل).

وحين خاض مأمون الهضيبي انتخابات مجلس الشعب، عام 1995، وجد أنه من المناسب أن يضع برنامجاً انتخابياً يصلح لمرشح لمجلس الشعب، وبعد ذلك أخذت جماعة الإخوان هذا البرنامج، الفقير، وجعلته برنامجاً سياسياً لها؛ حتى حان الحين منذ عدة سنوات، فوضعت برنامجاً لحزب افتراضي، ثم جعلت هذا البرنامج، نفسه، برنامجاً لحزبها، حزب الحرية والعدالة، واتضح من خلاله افتقار الجماعة للأيديولوجية، وفقرها في الفكر السياسي، حتى أطلق البعض على هذا البرنامج "فقر الفكر من فكر الفقر".

كل ما كانت الجماعة تملكه، عبر تاريخها كله، هو فكرة "الضد"؛ وفكرة الضد هذه تعني أنهم يرفضون تصورات الحكم، وفلسفات الإدارة كلها، تحت زعم أنها تخالف الإسلام . لذلك، نستطيع وصف تراث حسن البنا، وأفكاره، بأنه تراث "رافض" دون أن يقدم لنا تصورات محددة، ومشروعاً إسلامياً واضحاً، ودون أن يؤصل لسبب "الرفض"؛ اللهم إلا من بعض عبارات عامة حماسية.

ولذلك، أيضاً، كان مشروع البنا من المشاريع الفقيرة فكرياً، بصرف النظر عن تميزه الحركي.

رفض البنا "الديمقراطية"، وتهكم على "الرأسمالية" . وشن حرباً على "الاشتراكية"، واعتبر "الليبرالية" خروجاً عن الدين، وهاجم "الحزبية" في كل صورها.

ومن بعده، ظهر فكر سيد قطب، الذي رفض كل الأفكار والمناهج الأرضية، واعتبرها أفكاراً خرجت من بوابة الكفر، وعاشت في أرضية الجاهلية، التي اعتبرها أخطر من الجاهلية الأولى. وبالتالي، أصبح رجال الإخوان هم الفئة المنوط بها "الحكم باسم الله".

ولا غرابة، إذاً، في مقولة محمد بديع، مرشدهم رهين المحبسين، السجن والغباء، وفقاً لما تعلمه من كتاب معالم في الطريق: "إن الإخوان يمتلكون ماء السماء الطهور".

وعلى غراره، قال القيادي الإخواني المحبوس صبحي صالح: " نحن ـ أي الإخوان ـ أطهر من ماء المطر"؛ وزاد بأنهم: "قوم يتطهرون لذلك تكرههم القوى السياسية المختلفة، أما غيرهم فإنهم مثل (آل لوط)"!.

أما الأغرب، والذي يمكن إدراجه في موسوعة الغرائب الإخوانية، فهو قول صبحي صالح ـ بسبب حبه للكلام ـ بأن: "الذين يهاجمونه (أي يهاجمون صبحي)، إنما يهاجمون الإسلام، وأن من اتهمه بالكذب، اتهمه بذلك، تماماً مثل الذين اتهموا الرسول صلى الله عليه وسلم بالكذب"!.

لم تكن كل هذه الأشياء ماثلة أمام نخبتنا التي خيبتنا، رغم أنها كانت من المعلوم من السياسة بالضرورة . فكان أن اصطحب رفقة أشد منه جهلاً وذهب ليبايع مرسي، وبعد المبايعة قال: "إذا لم يف مرسي بوعوده، فأمامنا ميدان التحرير". وبالفعل، كان ميدان التحرير، وكانت كل ميادين مصر، وكانت ثورتنا.

ولكن، هل رضخت جماعة الإخوان أيها النخبوي ؟ أم أنها لا تزال تمارس إرهابها، وتقتل رجالنا، وتسفك دماء صحفيينا، وتدمر منشآتنا التعليمية.

حقاً.. لقد كانت خيبتنا في نخبتنا.

csr