القاهرة 20°
دوت مصر
حذاء لا يُبلى

حذاء لا يُبلى

كتب هيمنجواي ـ الكاتب الأمريكي الشهير ـ قصة قصيرة جداً تتكون من ست كلمات، قال أنها أفضل ما كتب على الاطلاق.. والقصة هي: (للبيع: حذاء أطفال، لا يُبلى أبداً)..
ستترواح الانطباعات عن تلك القصة بين: أين هي القصة من ناحية، وما الغريب في هذا الحدث من ناحية أخرى.. أن تطرح حذاء أطفال للبيع ليس غريباً.. وأن يكون حذاء الأطفال هذا لا يُبلى، تلك ـ أيضاً ـ ليست إلا معلومة بديهية؛ فالطفل الصغير جداً الذي لا يكاد يسير بالحذاء، مرتين أو ثلاثة، ثم تكبر قدميه، لا يمكن أن تُبلى أحذيته.. فما العبقرية، إذاً، في قصة هيمنجواي؟!.
أن توهم نفسك بأنك فُزت بصفقة هو مغزى القصة..
أن تجري عند قراءة الإعلان، وتقنع نفسك قبل الآخرين، أن تلك السلعة ذات مميزات لا يمكن توافرها في غيرها.. انظروا الإعلان. وقد تكون المعلومات صحيحة، والسلعة بالفعل متميزة، والحذاء لن يُبلى، والضمان خمس سنوات. ولكن الحقيقة، التي لم تفكر فيها أنت أصلاً، هي: هل احتاج بالفعل أن أقتني هذه السلعة أو ذلك الجهاز؟، كم مرة سأستخدمه؟، مرتين أو ثلاثة كل عام؟.. وأنت أيضا سيدتي، هل تأكدت من نوع القماش، وأن هذا الفستان لن يُبلى ولو بعد عشرة سنوات؟!. ولكن هل نسيت، أم تناسيت، أن "الموضة" تتغير كل عام؟، وأنك بعد عامين على الأكثر لن ترتدي هذا الفستان!!.
أن تبيع الخديعة في ثوب الحقيقة هو مغزى القصة.
أن تقنع الآخر أن يدفع أمواله لضمان عدم فناء الحذاء، وابنه لن يلبسه أصلاً؛ أن تقتطع من الحقيقة قطعة صغيرة، وتزيد من حجمها، وتغطي بها على بقية الحقيقة، فتصير كذبة يشتريها البسطاء بسهولة هو مغزى القصة. فكل المطلوب منك أن تختزل العبارة: "كل الأطفال يلبسون الأحذية مرات قليلة، ثم تكبر أقدامهم، ويضطر أباؤهم لشراء أحذية جديدة، وتظل أحذيتهم غير بالية"، إلى "حذاء أطفال لا يُبلى أبداً"؛ وبالتالي، يتوهم من يسمعك أن الحذاء مصنوع من مادة لا تُبلى مثلاً، وأنه مهما كان ثمنه فسيوفر له كثيراً. وغالباً ما يتوه البسطاء عن بقية الحقيقة البديهية، والتي تقلب الموازين رأسا على عقب.
أن تستغل رغبة الآخر في الشراء، فتبيع له وهماً هو مغزى القصة.
أو لا نفعل هذا؟!.. فلا نبذل جهداً لنجد الحقيقة، بل نحاول شراء الأفكار من الإعلان والإعلام هنا وهناك، فنشتري ما نظنه الحقيقة المطلقة التي لا تُبلى، ولو مرت السنون والقرون، وندافع عنها بكل ما نملك من طاقة، بل ونُقنع الآخرين أنها لا تُبلى أبداً، وأنها الحقيقة ـ كل الحقيقة ـ ولابد أن يشتروها هم أيضا.. ثم نكتشف أنها وهماً، لا يمت للواقع ولا يصلح للسير على الأرض.. تماماً، كحذاء أنيق جديد ولكنه ليس على مقاس أي من أطفال العائلة.. عن "الاستغفال" أتحدث!!
وإذا كان للحذاء قيمة حقيقية لم يكن صاحبه قد طرحة "للبيع"، وهذه هي السخرية في قصة هيمنجواي العبقرية حقاً، فالبائع يعرض حذاءً واحداً فقط، أي أنه ليس تاجراً، بل مالكاً لذلك الحذاء الذي لا قيمة له، وهو حتماً يريد التخلص منه. وأول كلمة في الإعلان ـ وفي القصة ـ هي كلمة "للبيع"؛ أي أنه يبحث عمن يخلصه منه. ثم لماذا لم يستخدم هيمنجواى "رداء" الطفل بدلاً من "حذاء" الطفل؟!..
لأن احتياج الطفل للرداء أكثر بكثير من احتياجه للحذاء، وبخاصة وقد استخدم الكاتب كلمة "Baby" التي ربما يعني بها "الطفل قبل تعلم المشي".. وهي قمة السخرية، لأن الحذاء عندئذ ليس إلا اكسسواراً لا يُستخدم أصلاً وأبداً لن يُبلى..
وتبقى دائماً الغلبة للأذكياء.. ولا عزاء للمستَغفلين.