القاهرة 20°
دوت مصر

تطوير قطاع الصحة

انتقد البعض بدء الدولة فى خطة تطوير بعض المستشفيات من خلال عرضها للبيع على بعض المستثمرين وزايد البعض على الطرح، وللأسف الشديد لم يقف هؤلاء عند بعض الحقائق أو حتى المتابعات الخبرية البسيطة لما يمر به قطاع الصحة والذي يمس حياة ملايين المصريين اليومية وصحتهم وصحة أسرهم.

ولاشك أن توفير خدمة صحية لائقة للمواطن المصري هو أصل الأشياء، ومن ثم فإن الحديث عن تطوير قطاع الصحة في جمهورية مصر العربية حتى يتواكب مع العصر يعد ضروريا بعد الحالة التي وصل إليها قطاع الصحة، ومن ثم فإن وضع القوانين المستنيرة التي تساعد على إحكام الرقابة على تلك المستشفيات وعدم تلاعبها مستقبلا تعد شرطا متلازما مع فكرة تطوير قطاع الصحة ذلك لضمان توفير العلاج للمواطن المصري البسيط، فحق العلاج هو أمرا لا يقبل النقاش فيه وهو إلزام على الدولة تجاه مواطنيها.

وللرد على هذه الإشكالية والجدل العقيم حول تطوير قطاع الصحة، يجب التوقف عند بعض الحقائق، أولها أن التجربة العملية فى العالم أجمع إنتهت إلى أنه ليس هناك حكومة مركزية قادرة على توفير الخدمات بالمستوى المقبول لجميع المواطنين بمختلف شرائحهم، وأن مشاركة القطاع الخاص إلى جانب المؤسسات الأهلية والمجتمع المدنى والتعاونيات فى تقديم الخدمات بمستويات مختلفة أمر لم يعد رفاهية، خاصة فى الدول النامية، والحقيقة الثانية أن هناك خطة حكومية يتم دراستها وتطويرها منذ عام تقريبا بهدف إعادة هيكلة منظومة الصحة بالكامل، ووضع القواعد التشريعية التى تسمح بدخول القطاع الخاص، وكيفية الإشراف عليه.

الحقيقة الثالثة التى يجب أن نضعها فى الاعتبار، أن نصوص الدستور تلزم الحكومة بمظلة تأمينية وعلاجية لكافة المواطنين بلا إستثناء وخاصة من ليس لديهم مظلة تأمينية للحصول على خدمات صحية.

الحقيقة الرابعة أن هناك بيانات عدة صدرت عن إجتماعات وزارية بمجلس الوزراء، عن تصورات الحكومة عن المنظومة الجديدة لتطوير قطاع الصحة فى جمهورية مصر العربية، والذى سيعتمد على تأسيس ثلاث كيانات متوازية، هم هيئة التأمين الصحى، والتى ستكون مسئولة عن توفير مصادر غير تقليدية لتمويل الخدمات العلاجية المناسبة، خاصة لغير القادرين وهم الفئة التى من المفترض أن تكون الحكومة مسئولة عن توفير خدمات علاجية مناسبة لهم لا تختلف ولا تتفاوت بإختلاف قدراتهم المالية مع الأغنياء والقادرون، وهيئة الرعاية الصحية، وهى بديل الهيئة العامة للتأمين الصحى الحالية، حيث ستكون مسئولة عن تقديم الخدمات العلاجية لكل من تشملهم مظلة الحكومة التأمينية حاليا، وستوفر جميع مستويات الخدمات العلاجية للفئات غير القادرة، والهيئة العامة للرقابة على القطاع الصحى، وستمنح صلاحيات الإعتماد والمراقبة للخدمات التى تقدمها المستشفيات عموماً.

المنظومة الجديدة شبيهة بمنظومة تقديم خدمات التأمين الصحى فى أغلب دول الإتحاد الأوروبى، وستسمح للحكومة بالتركيز على غير القادرين بدرجة كبيرة لتتمكن من توفير مستوى رعاية صحية إنسانى، ولا يعنى ذلك أن الدولة المصرية ستتخلى عن الشرائح الأخرى ولكن ستقل مساهمة الدولة فى تحمل نفقات الفئات الأخرى، كلما كانت قادرة على تحمل مصاريف الخدمات الصحية معتمدة فى ذلك على دخلها.

كما إننا ولأول مرة سيكون لدينا جهة رقابية واحدة مسئولة عن مراقبة مستوى جودة تقديم الخدمات فى جميع المستشفيات الخاصة والحكومية والإستثمارية.

الحقيقية الأهم فى تكهنات البعض عن إتجاه الدولة لبيع مستشفيات تابعة للحكومة أن جميع البيانات والمعلومات السابقة منشورة فى جميع الصحف والمواقع الإخبارية التى تغطى أخبار مجلس الوزراء ووزارة الصحة والتأمين الصحى منذ مدة طويلة.

ولاشك أن أسوء ما في ذلك على الإطلاق أنها كاشفة لأى درجة أصبحنا سطحيون، ولا نحاول فهم أو إستيعاب المعلومات التى نحصل عليها، فما أن ينتشر خبر ما حتى تقوم الدنيا ولا تقعد دون أن يجهد أحدنا نفسه فى محاولة فهم أبعاد الموضوع المختلفة والبحث عن أصله وأسبابه وكيف تطورت الأفكار المطروحة، وما هو دور الجماعات التى شاركت فى تطويرها.

إننا جميعا نعلم علم اليقين ما يمر به قطاع الصحة في جمهورية مصر العربية من مشكلات عدة، وهو الأمر الذي يجبرنا على ضرورة إعادة صياغة تقديم الخدمة الصحية للمواطن المصري بما يتفق مع المعايير الإنسانية في مقامها الأول وبرؤية مخالفة لما يشهده هذا القطاع من إهمال وتردي يدفع ثمنها فقط المواطن المصري البسيط.

csr