القاهرة 21°
دوت مصر

تاتو!

- "نفسي أعمل تاتو فراشة على كتفي".
- "إعملي".

لم تكن تلك المرة الأولى التي تصرح فيها سين لصاد برغبتها، ولم تكن تلك هي المرة الأولى التي يجيبها بنفس الإجابة. سين وصاد تربطهما علاقة عاطفية توفر الأحضان الآمنة والنصيحة المخلصة، ولكنها علاقة لا تُعرفها التقاليد ولا تُحددها التوقعات.

تسافر صديقات سين حول العالم ليعدن بالحكايات، عادت إحداهن يومًا بوشم ومن يومها إنقلبت حياة سين وأصبح التاتو موضوع حديثها المفضل.

- "تفتكر أعمله فين؟"
- "زي ما تحبي، ده قرارك"

في علاقة سين بصاد تشك أحيانًا أنه ليس إلا صدى لأفكارها. لا يعارضها كثيرًا ولا تذكر له أمرا أو نهيا. يتبع في نصحها طريقة طرح كل الخيارات المتاحة ويترك لها دائمًا حق تقرير المصير.

-"إنت عارف إنك متعب؟!"

تكررها عليه كلما احتارت، ولكنّه لم يُرحها من حيرتها أبدًا ولا يعفيها أبدًا من مسؤولية اتخاذ القرار.

- "مترددة ليه؟ حاجة وعايزة تعمليها إيه يمنعك؟"
- "أصل الوشم حرام"

في كل مرة تجيبه يسخر من إجابتها. لا ينكر أبدًا "حرمانية" الوشم ولكنّه لا يرى سببًا في مبالغتها في احترام تلك "الحرمانية".

- "إيه الفرق بين الوشم وبين أي حاجة حرام ثانية بتعمليها؟"

وفي كل مرة تسكت ولا ترد، ليس لأنه لا يوجد إجابة لسؤاله بل لأن الإجابة الوحيدة للسؤال ستجعله يسخر منها أكثر.

- "الوشم حرام ظاهر. سيرى الناس الوشم. الوشم ذنب مدموغ على الجلد لا يمكن إنكاره."

- "خلاص، إعملي الوشم في مكان مختفي. إعمليه هنا (مشيرًا لأحد أجزاء جسدها) ماحدش هيشوفه غيري أنا وإنتِ"

- "طيب إفرض مت!"

- "افرضي! ما كلنا هنموت. إيه المشكلة؟"

- "هروح النار .. "

- "تفتكري؟ تفتكري ربنا هسيب كل الناس اللي بتقتل وبتسرق وبتغتصب وبتؤذي غيرها ويدخلك النار علشان تاتو؟ ربنا هيعمل إيه بعذابك؟"

يغويها منطقه أحيانًا. فالله- سبحانه - لن يستفيد من عذابها شيء. يُذكرها بقوله تعالى:"إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً". فتذكره بقوله تعالى: "وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ".

تخيفها تلك الآية أكثر مما تخيفها آيات وصف العذاب. تخيفها الآية لأنها تذكرها بالأخسرين أعمالًا، الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا.

- "هي الناس بتجيب اليقين ده منين؟"

تسأله ولا يجيبها. يتركها حائرة بين خوفها من "مكر الله" ورجائها في رحمته.

- "تخيل إن الناس بتعلق على موت فلانة باللهم أرزقنا حسن الخاتمة؟ هي الناس ليه بطلت تقول الله يرحمه/ يرحمها كتعليق على أخبار الموت؟ هو مش المفروض حتى يسترجعوا من باب إن في مصيبة؟"

- "إيه المهم في الناس تقول إيه؟ من إمتى مفاتيح الجنة معاهم؟"

تهدئ إجابته المنطقية من مشاعرها المضطربة. ولكنها تعود لتعلق.

- "ربما لا يمتلك الناس مفاتيح الجنة، ولكنهم بكل تأكيد يمتلكون مفاتيح الجحيم"

من أين يأتي كل هذا اليقين بأن فلانة خاتمتها سيئة؟ لماذا يظن أحدهم أن مرضه إبتلاء سيؤجر عليه ومرض غيره جزء من عذاب أبدي في هذه الحياة والحياة الآخرة؟ لماذا تطالعنا صور لجثث متشابهة، تفسر ملامحها "المتشنجة" تارة بإنها إبتسامة شهيد وتارة بإنها أمارت رعب من رأى مكانه في جهنم؟

من أين يأتي اليقين بأننا على الحق وغيرنا على الباطل؟ متى امتلك كل هؤلاء الله وعزلوه عن وظيفته في قدر خلقه؟

- "هتعملي التاتو فين؟"

- "لا مش هعمله علشان حرام"

- "ما قولنا ربنا مش هيعمل حاجة بعذابك"

- "بس الناس هتشوفه".

- "اعمليه في حتة مستخبية علشان أشوفه أنا بس"

- "لا مسيري أموت ويقلعوني علشان يغسلوني ويكفنوني ويشوفوه"

- "يا حبيبتي ما إنت هتبقي في حتة أحسن مش هتتأثري بكلامهم"

- "بس اللي بحبهم هيتأثروا، واللي بحبهم يمكن منهم ويمكن لما يشوفوا الوشم يزعلوا لإني إستحققت اللعنة"

- "ربنا هو اللي بيحاسب مش هم. الدين لله يا حبيبتي .. "

- "لا! الدين للناس. طول عمر الدين للناس."

csr