القاهرة 20°
دوت مصر

النور في نهاية النفق

لم يفهمها أبدًا! رغم أنه ذكي ولماح ورغم أنه "خبير إنساني". لم تسعفه خبرته ولم يفيده ذكاؤه، جرب مرة ومرة وفي الأخيرة قرر ألا يفهمها وألا يحاول أبدًا.

لم تكن هي أول نسائه وكذلك هو، لم يكن أول رجالها. التقيا كما يلتقي الناس. في لقائهما الأول تطايرت شرارات "الكيمياء". توافقا لحظيًا، أكملا جمل أحدهما الآخر، واكتشفا تشابه الأذواق. تشاركا الحواديت والغزل. وفي أثناء هذا كله كان كلما اقترب منها خطوة ابتعدت خطوات.

لم يفهمها أبدًا. كانت وحيدة وكان وحيدًا. كانت تريده، كان كل ما تفعله يصرخ بأنها تريده. ولكنه كلما إقترب منها خطوة إبتعدت خطوات.

- "بتهربي ليه؟!"
- "مش بهرب!"

مل هو المحاولة. مل محاولاته التقرب، مل هروبها كما مل الفشل في فهمهما.

- "بتهربي ليه؟!"

لم يكن هو صاحب السؤال هذه المرة. سألته هذه المرة صديقة صبورة لن تمل من محاولات الفهم.

- "بهرب من المصير الحتمي. بهرب من القدر. بهرب من شبح الفشل. بهرب من كسرة القلب. كل ده مش سبب للهروب؟!"

كانا رغم انجذابهما وتوافقهما وتشابههما مختلفين. كان كل منهما ينتمي لعالم لا ينتمي إليه الآخر. كان لقائهما ترتيب قدري، لم يكن ليحدث لولا تغير طارئ في الظروف.

كانت تريده ولكنها كانت تريده بشروطها لا بشروطه. ولذلك كانت تهرب، تهرب من مواجهة حقيقة أنه لا توجد بينهما أرض مشتركة. كانت تهرب من حقيقة أنها تريده وأن "الظروف" التي منحتهما صدفة اللقاء لن تمنحها أبدًا فرصة "التبات والنبات والصبيان والبنات".

كانت تريده للأبد وكان يريدها كمغامرة.

لم يقتل ما بينهما الملل كما ظن وروج، بل قتلته الخبرة.

- "كنتِ المفروض تقوليله وتسمعي منه. ليه متأكدة إنه مش عايز اللي إنتِ عايزاه؟ ليه جاوبتي بالنيابة عنه؟ كنتِ المفروض تقولي له، هو من حقه يعرف إنك بتحبيه وبعدها يقرر."

- "أقول له إيه؟ وأقول له ليه؟ مش كل حاجة لازم تتقال. عايزاني أقول له إيه؟ أقول له بحبك؟ هتفرق في إيه لو عرف أو ما عرفش؟ لن تغير معرفته بحقيقة مشاعري من موقفه كثيرًا، لن يزيد تصريحي بمشاعري الموقف إلا تعقيدًا."

- "على الأقل كنتِ تتأكدي من استنتاجك ده."

- "مش محتاجة أتأكد. تخيلي كده لو حد جه قال لك إنك النور اللي بينور ضلمة حياته، كيف ستتعاملين مع هذا العبء؟! إحنا بنفكتر إن مشاعرنا الجميلة دي هتفضل جميلة لما نرميها على الناس، لو فكرنا في تأثيرها عليهم هنكتشف إنها ممكن تكتفهم. لو مش أنا النور اللي بينور حياته هيحس بالذنب. وبدل ما حبي يسبب له السعادة هيبقى سبب من أسباب شقائه ولو لحظة واحدة".

لم يكن مجرد "النور اللي بينور حياتها". كانت حرفيًا تعيش على أمل اللقاء. كانت تقابله في كل مرة كما لو كانت تقابله أول مرة، وكانت تودعه في كل مرة كما لو كانت لن تلتقيه ثانيةً أبدًا. وبين اللقاء واللقاء كان الأمل يحكم حياتها. تلمع عينيها بابتسامة، وتنشر البهجة حيثما حلت، وتمارس التفاؤل (غير المفهوم) حتى في أحلك اللحظات.

كانت قبل لقائه "ثقيلة" كعجوز أنهكتها معارك الحياة. أصبحت بلقائه خفيفة كفراشة، شابة قادرة على الحلم وعلى الفعل.

- "لما هو كل الحاجات الحلوة دي، مش بتقولي له ليه؟!"

- "مش لازم يعرف! وبعدين كل الحاجات دي مش حلوة. مش صح إنه يخليني خفيفة، مش صح إنه ينور حياتي. مش صح إني أعيش على أمل اللقاء، لأنه هيجي اليوم اللي مش هيبقى فيه لقاء! مش لازم يعرف! مش لازم يعرف إنه النور في نهاية النفق".

csr