القاهرة 20°
دوت مصر

المكارثية السمحة

جوزيف رايموند مكارثي، سيناتور أمريكي جمهوري مثل ولاية ويسكنسون في الكونجرس في الفترة بين 1947 و1957. مرت سنواته الأولى في الكونجرس في هدوء ولكنه أصبح فجأة محور "ومحرك" واحدة من أهم حوادث التاريخ الأمريكي. ففي فبراير 1950 ألقى ماكرثي خطابًا أعلن فيه أنه يمتلك قائمة بعدد من الأشخاص الشيوعيين الذين يشغلون مناصب في وزارة الخارجية الأمريكية.

حاز خطاب مكارثي على اهتمام واسع لأنه جاء في وقت كان الخوف من المد الشيوعي على رأس الاهتمامات داخل الولايات المتحدة الأمريكية. لم تكن تلك هي المرة الأولى التي تجتاح الولايات المتحدة الأمريكية حمى الخوف الأحمر. كانت المرة الأولى في أعقاب انتهاء الحرب العالمية الأولى، حيث ساد الولايات المتحدة الأمريكية اعتقادًا بأن الأناركيين والمتطرفيين اليساريين يسعون، بمساعدة خارجية، لتكرار تجربة الثورة البلشيفية داخل الولايات المتحدة. الأمر الذي أثار خوف المواطن الأمريكي بصفة عامة وحولته وسائل الإعلام إلى حرب على الأجانب. عزز هذا الخوف اكتشاف السلطات لمخطط لتفجير بعض الأماكن الحيوية. واحدة من هذه القنابل استهدفت النائب العام الأمريكي الذي نجا من التفجير وبدأ حملة اعتقالات واسعة ضد الأجانب وأصحاب الميول الأناركية والشيوعية.

"لوشت" العدالة الأمريكية في طريقها لاستعادة الأمان وانتهت فترة "التلويش" الناتج من الخوف من المد الشيوعي باعتبار الكثير من الإجراءات غير دستورية، ولكنها انتهت أيضًا لإصدار القوانين التي تجرم استخدام العنف لإحداث التغيير السياسي، والتي وضعت بعض القيود على حرية التعبير.

عادت حمى الخوف الأحمر للسيطرة على الولايات المتحدة بعد نهاية الحرب العالمية الثانية. فرغم حملة "التلويش" استمر الحزب الشيوعي الأمريكي في العمل بسلاسة، وانتشرت الأفكار الشيوعية بين النخبة الأمريكية. وما إن انتهت الحرب وبدأ النظام العالمي الجديد في التشكل حتى ظهر بوضوح أن الاتحاد السوفيتي (حليف الأمس) هو العدو الوحيد للولايات المتحدة الأمريكية، وهذا العدو يحرز التقدم بعد التقدم. والداخل الأمريكي مهدد بشبكات التجسس والهوى الشيوعي للكثيرين.

وهنا ظهر مكارثي!

واجهت ادعاءات مكارثي الكثير من الانتقاد، كما أنها حازت على الكثير من الدعم. كان مكارثي يعبر عن خوف المواطن الأمريكي على مكتسباته، وكانت السياسات التي يدعمها توفر الأمان الذي يبحث عنه المواطن الأمريكي من حمى الخوف الأحمر.

"لوشت" العدالة الأمريكية مرة أخرى في محاولة للسيطرة على حمى الخوف الأحمر. صار الجميع فجأة متهمًا وأصبح على الجميع فجأة إثبات "أمريكيتهم". خسر الكثيرون أعمالهم، وتلوثت سمعة آخرين. حتى أن أحد فرق البيسبول غير اسمه من "الحمر" إلى "الأرجل الحمراء" حتى يتفادى الدعاية السيئة والخلط الذي قد يحدثه الاسم.

ولكن العدالة الأمريكية توقفت فجأة عن "التلويش"، كما توقفت في المرة الأولى. في المرة الأولى كان "التلويش" بقيادة "بالمر" النائب العام الناجي من محاولة التفجير. وانتهى "التلويش" حينما انتهى "بالمر" وانتهى بالمر حينما حذر من ثورة شيوعية في الأول من مايو 1920 ولم يحدث شيء.

وكما انتهت موجة "التلويش" الأولى انتهت موجة "التلويش" الثانية. انتهى مكارثي فانتهت المكارثية!

جاءت نهاية مكارثي على يد الجيش الأمريكي! بدأ مكارثي حملة للتحقيق في ولاءات المنتمين للجيش الأمريكي. وأبرز حالة إيرفن بيريس، طبيب الأسنان الذي انضم للجيش الأمريكي وترقى لرتبة الرائد (كان بيريس مسرحًا تسريح مؤقت وقتها) رغم كونه عضوا سابقا في حزب العمل الأمريكي (ذو التوجه الشيوعي).

لكن الجيش الأمريكي لم يسكت على الإهانة وردت اتهامات مكارثي باتهامه بالضغط على الجيش للحصول على معاملة خاصة لأحد مساعديه. وعلى مدى أكثر من شهر وفي جلسات استماع علنية تبادل الجيش والسيناتور الاتهامات. نالت جلسات الاستماع من سمعة السيناتور وشعبيته وأصبح عبئًا على حزبه بعدما كان ورقته الرابحة. شكل الكونجرس لجنة وانتهت اللجنة إلى قرار وتم التصويت على القرار "بإدانة" ماكرثي على أفعاله. وعاد بعد الإدانة لحالة السيناتور المجهول الذي كانه قبل خطابه في فبراير 1950 وظل في منصبه حتى مات في 1957.

مات مكارثي وأصبحت المكارثية مرادفًا للعار ولم يبق من الشيوعية في الولايات المتحدة الأمريكية ما يستحق الذكر. فلقد أنهت المكارثية (الملعونة) الخوف الأحمر للأبد!

csr