القاهرة 20°
دوت مصر

القضية فلسطينية في مجملها

بما أننا في أجواء احتفالات عيد الميلاد المجيد فقد سأل ذات مرة أحد أولاد عائلة مقدسية فلسطينية الأب عن سبب قيام أصدقائهم بتزيّن شجرة عيد الميلاد بينما لا يزينها هم، وكان رد الأب أنه قام مصطحبا أفراد عائلته بتزيين بيتهم بزينة عيد الميلاد، وإن دل ذلك على شيء، إنما يدل على هذه اللحمة الوطنية العميقة النقية الصافية التي لا تمييز بين الإنسان وأخيه الإنسان وتؤمن إيماناً عميقاً بأن الدين لله والوطن للجميع. فليس لعربي على أعجمي فضل إلا بالتقوى.

ولعل ما تناولته الدراسة المهمة لرسالة الماجيستير التي أعدتها الباحثة الفلسطينية "ديمه رشماوي عيّاد"، والتي حصلت من خلالها على درجة الماجستير بإمتياز من جامعة بيت لحم قد سلط الضوء بشكل مباشر على الوجود الفلسطيني المسيحي في فلسطين وماهيّة عطائه ومدى إنخراطه في العمل التنموي فتقريبا لا يتحدث احد عن دور ونضال المسيحيين الفلسيطنيين في القضية الفلسطنية وكأنها قضية دينية إسلامية لا شأن للمسيحيين بها، وهو الأمر الذي يعطي مقاومة سلطات الإحتلال شكل طائفي يضر كثيرا بالقضية أكثر مما تكسب منه.

من هنا تأتي أهمية فقد هدفت الدراسة التي قامت الباحثة "ديمه رشماوي عيّاد" بإعدادها بالتعريف بمباديء ومفاهيم التنمية البشرية، وعلى دور مسيحيي فلسطين في تطبيق هذه المفاهيم ورفع مستوى التنمية البشرية في فلسطين، وأظهرت من خلالها سرد التسلسل التاريخي الزمني لمسيحيي فلسطين.

حيث أوضحت "ديمه رشماوي عيّاد"، من خلال الرسالة دور المواطن الفلسطيني المسيحي من بعد نكبة 1948 مرورًا بحرب 1976 والنكسة ثم الإنتفاضة الأولى والثانية، وحتى وقتنا هذا، وكيف شارك الفلسطينيون المسيحيون في كل ما تعرض له الفلسطينيين من لجوء، طرد، اعتقالات، مصادرات وتنكيل من قبل قوات الإحتلال الإسرائيلي، ورصدت ظهور أسماء لقادة فلسطينيين مسيحيين عبر التاريخ واعتبروا من أبرز الشخصيات الوطنية الفلسطينية والتي تركت بصمة في تاريخ فلسطين.

وأكدت فيه الباحثة على أنه بالرغم من ذلك، تبقى جملة "الفلسطينيون المسيحيون ملح الأرض" جملة تتردد أو بالأحرى قضية تطفو على السطح الإجتماعي الفلسطيني بين الحين والأخر.

هذه الجملة وإن كانت تؤكد في مضمونها على قدم وتجذّر الوجود الفلسطيني المسيحي في فلسطين الذي كان ولا يزال مصدرًا للخصب والعطاء، وعلى الرغم من ممارسات الاحتلال الإسرائيلي القاسية التي دفعت أعداد كبيرة من الفلسطينيين المسيحيين إلى الهجرة، إلا أن هناك عدد كبير من الفلسطينيين المسيحيين الذين التزموا ببذل جهود حثيثة من أجل تحقيق العدالة والديمقراطية.

ومن اجل الحفاظ على جذورهم الفلسطينية فقد برعوا في العمل المؤسساتي من خلال الإنخراط الملتزم في العمل المؤسساتي، كالمؤسسات الإنسانية، مؤسسات حقوق الإنسان والمؤسسات الإعلامية، واستطاعوا تأكيد إسهامهم الملموس في ارتقاء وإثراء حياة الفرد الفلسطيني، وهذا إن دلّ على شيء فهو يدلّ على تشبثهم بأرضهم وتمسكهم بهويتهم والتزامهم بالدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني ومشاركتهم الفاعلة في إيجاد حلول لمعاناة هذا الشعب.

لقد تجلّت هذه المشاركة الفاعلة أيضًا من خلال الكنائس، فقد أظهرت الكنائس في فلسطين، وبشكل واضح دعمها المستمر للقضية الفلسطينية وتعزيز الوجود الفلسطيني لتحقيق آمال وأحلام الفلسطينيين بالإضافة إلى مساهمتها في فتح مجالات وآفاق جديدة سعيا لتحقيق العدالة والعيش الكريم. والجدير بالذكر أنه ومن خلال اهتمامها بالعدالة الاجتماعية، شاركت الكنائس في قضايا تعالج مشاكل المجتمع المحلي الفلسطيني كالفقر، الاقتصاد المتردي، دور الدولة، وسيادة القانون. في ذلك كله، أظهرت الكنيسة قلقها واهتمامها لحياة الإنسان الفلسطيني؛ حيث إن نوعية الحياة الاجتماعية تعتمد وبصورة حاسمة وأساسية على حماية وتعزيز فكرة " الوجود الإنساني " مجدّدًا.

إنها دراسة شاملة تحمل خطاب واقعي هام لا يجب أن يغيب عنا أبدا عند تطرقنا للقضية الفلسيطينة، وتستحق الباحثة الفلسطينية " ديمه رشماوي عيّاد " التقدير والإشادة على ما جاء برسالتها.

csr