القاهرة 20°
دوت مصر
الضحايا والقتلة.. أي مستقبل

الضحايا والقتلة.. أي مستقبل (؟!)

"حين يمتلأ الانسان بالغضب يمكن أن يفقد عقله، لكن حين منحتُ الغفران شعرتُ بالطمأنينة".
قائل هذه الجملة رجلٌ نجا من مجازر رواندا، التي وقعت قبل عقدين وأودت بمليون ضحية؛ ومناسبة قوله هذا صورة نشرت له، يقف فيها ملاصقاً للشخص الذي شارك في قتل أخيه، بعد أن اعترف بذنبه وطلب الصفح منه.
صورة الرجلين كانت ضمن عمل فني فوتوغرافي، اشترك فيه ناجون من المجازر مع أشخاص بعينهم، شاركوا مباشرة في إنزال فظائع بهم. فمنذ سنوات، تجري بجهد محلي وبإشراف دولي محاكمات وعمليات اعتراف ومصالحة، على غرار ما حدث في جنوب أفريقيا. أتت الصور الجامعة للناجين والجلادين كمساحة فنية بالغة التعبير، نشرتها الشهر الماضي صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية.
والحديث، هنا، عن العفو في الحالة الرواندية، ليس للتبشير بالغفران والتسامح على نحو ساذج، بصفته خيراً مطلقاً يَجُبُّ العنف والقتل دونما محاسبة؛ إنما حالات العفو المذكورة أتت بعد تبدي حاجة الناجين العميقة لفهم ما حدث؛ للتمكن من الاستمرار والبقاء، وعدم ترك الذات غارقة في آلام وأوجاع وذكريات الموت والرعب والذنب.
منذ أن شاهدتُ تلك الصور، وكيف جرت إعادة صوغ العلاقة بين عدد كبير من الضحايا والقتلة، ومن بينها لقطات لسيدة أرخت بيدها على كتف رجل قتل أباها وإخوتها، وأنا أتسائل عن شكل علاقاتنا الإنسانية في هذه المنطقة بعد عقدين من الآن. والقصد من استشراف الزمن هو استقصاء نوع العلاقات الاجتماعية التي ستحكم غدنا.
ففي بلاد مثل سوريا والعراق ولبنان ومصر واليمن، بات الانقسام الاهلي والطائفي عميقاً ومرعباً إلى حدود كبيرة.
فالراهن من أيامنا غارق في فظائع القتل والعنف، ونموذجه الأقصى في سوريا، فيما تتوزع نسب العنف والكراهية بحسب الظرف والبلد. ومن كان هذا يومه وراهنه، لا يمكنه سوى التسليم بأن الحديث عن مصالحة وغفران هو خيال جميل يلوح لنا كأنه من عالم آخر، لا نملك حتى ترف التفكير به.
في لبنان، مررنا خلال الشهر الماضي بامتحان يتعلق بتاريخ الحرب الاهلية، وبانتقائية ذاكرتنا وانعدام الحساسية، التي تسود في النموذج اللبناني، حيال ارتكابات فظيعة سادت.
فنحن، أيضاً، مرّ علينا أكثر من عقدين ونيف على انتهاء الحرب، والبلاد تعيش هذه الأيام على وقع استحقاق انتخاب رئيس جديد، وهو استحقاق لعله الأكثر إثارة للفضول؛ إذ يكاد أن يكون لبنان البلد العربي الوحيد الذي من الصعب توقع من سيكون رئيس جمهوريته الجديد.
في دورة الانتخاب الأولى ترشح سمير جعجع، قائد القوات اللبنانية للمنصب. طبعاً لم يكن منتظراً فوز الرجل، خصوصاً أن لا توافق سياسي محلي أو اقليمي بعد على اسم الرئيس؛ لكن ترشحه كان مناسبة استل فيها خصومه، وحتى بعض حلفائه، سيوفهم ونبشوا ذاكرة الحرب اللبنانية. استعاد الرأي العام اللبناني مشاعر احتقان وكراهية، والأخطر أنه ترك للذاكرة الانتقائية أن تُشيطن أشخاصاً، هم فعلاً ارتكبوا فظائع، لكنها تغاضت ـ بل وعفت ـ عن شخصيات ليست أقل إجراماً ولا مسؤولية.
فالحرب في لبنان انتهت مطلع التسعينات فجأة، بتسوية سياسية إقليمية ودولية، وقامت على عفو عام، وعلى تسيد قادة الميليشيات الحياة العامة في البلاد برعاية سورية .
بين ليلة وضحاها، جرى لم السلاح وشرع اللبنانيون يمارسون يومياتهم، دون أن يتمكنوا من فهم ما حصل معهم ولماذا وكيف انتهى.
لم يحصل في لبنان أي محاكمات، ولا اعترافات، ولا مصالحة؛ ولا يزال هناك آلاف المفقودين الذين لا يملك ذووهم حتى أن يعرفوا كيف ماتوا وأين. لقد طويت صفحة الحرب الدامية بعفوٍ عام، لكن العفو لم تسبقه الحقيقة التي نحتاجها جميعاً، لنقرر ما إذا كنا نود أن نعفو أم نحاسب وكيف ؟
وما بينته السنوات أن هذا القفز عن الحرب ونتائجها، لم يشف الذاكرة من ثقل الفظائع التي ارتكبت، فسقط اللبنانيون في الانتقائية. هذا الدرس يجب أن تتعلمه سوريا، ويجب أن لا يغيب عن وعي العراقيين، وكل المجتمعات التي تهتز تحت وقع صدوع أهلية.

يقول أحد الناجين في رواندا، بعدما سمع في المحكمة من قتلة عائلته تفاصيل ما حدث: "أحياناً، لا تُعطي العدالة القضائية أجوبة تسكّن الألم، لكن حين يتعلق الأمر بالغفران الذاتي يشعر المرء بالرضى مرة وإلى الأبد".
الأيام ستحمل لنا أسئلة مماثلة . فأي نماذج ستعتمد بلادنا التي يمعن فيها القتل والانقسام؛ لكن قبل أن نقرر إن كنا سنحاسب أم نعفو.. علينا، أولاً، أن نعرف حقيقة ما حدث ولماذا حدث ؟!

csr