القاهرة 20°
دوت مصر

الحب في زمن التصنيف السياسي

في يوم وليلة، أو للدقة في ثمانية عشر يومًا، تحول مسرح السياسة الداخلية المصرية الراقد الراكد في استقرار إلى بركان ثائر. انقسم الأشخاص حول الحدث بين مؤيد وغير مؤيد، وبين متحفظ ومتطرف. بدأت تلك الإجابات والمواقف في تحديد مكان كل فرد على محاور الطيف السياسي.

اقرأ أيضا:

دليل الفتاة الذكية للتصنيفات السياسية

واختلاف الرأي – على عكس الشائع - أساس خلاف الود. فرقت أحداث يناير 2011، أو تحديدًا المواقف المبنية على تلك الأحداث، بين الأب وأبنائه. واحترقت بنيران بركانها الثائر الكثير من الصداقات. ولم تسلم العلاقات العاطفية من شرر الخلاف السياسي، حتى وصلنا لتداول عنوانين من نوع "سيدة تطلب الخلع بسبب مرسي" و"ورجل يطلق زوجته بسبب شفيق" كأخبار في الصحف ومواقع التواصل الاجتماعي.

ورغم مرور أربع سنوات على فوران بركان الخلاف السياسي، إلا أنه لا يوجد ضمانات لنجاة العلاقات منه. سواء العلاقات المستقرة التي يظن أصحابها أن الأسوأ قد مر بالفعل أو العلاقات التي تبحث عن فرصة.

فالحب في زمن التصنيف السياسي تحد حقيقي. وللتعامل مع هذا التحدي يجب التفريق بين شقه الشكلي وشقه الجوهري.

شكليًا الاختلاف السياسي مثله مثل أي خلاف آخر. يمكن الالتفاف عليه بوضع بعض قواعد عامة.

مثلاً، الحوارات السياسية واحدة من أكثر الأنشطة المفضلة لتمضية الوقت في الجلسات الاجتماعية. تبدأ الجلسة بالسلام وتبادل الابتسامات ثم حوار الطقس، وحينما يتم استنفاذ حوار الطقس وتفريعاته من تذكر أيام الزمن الجميل وهوامش المناهج الدراسية .. إلخ.

تقفز السياسة فجأة للمشهد. في عصر ما قبل يناير 2011 كانت فقرة السياسة في الحديث تدور حول انتقاد سياسة الحكومة، أي سياسة وأي حكومة، لكن في عصر ما بعد يناير 2011 ينذر تحول الحوار لنقاش سياسي باحتمال تحوله لكرة من اللهب.

يمكن التحايل على موقف كرة اللهب بادعاء احترام "حرية الرأي". أو معاملة الموضوعات السياسية معاملة "انتقاد الأديان". أو انسحاب الطرف الأكثر "عقلًا" من النقاش لأن اللهب والعقل لا يجتمعان.

وبنفس منطق تجنب كرة اللهب في نقاشات ما بعد استنفاذ حديث الطقس، يمكن حماية العلاقات من شرر السياسة بأن يتجنب الطرفان الخوض في نقاط الخلاف أو الخوض في الموضوعات السياسية ككل. وإن كان لابد من الخوض فيها فعليهما أن يتذكرا دائمًا أن الأولوية للعلاقة والاحترام المتبادل هو أساس الحب.

ولكن للأسف تجنب الخوض في السياسة والاحترام المتبادل "لحرية الرأي" أو حتى معاملة السياسة معاملة كرة القدم على أنها موضوع "رجالي" لا يخص النساء لن يغني عن مواجهة تحدي الاختلاف السياسي جوهريًا. وسيظل الاختلاف مهما تحايلنا عليه سيفًا يهدد العلاقة باستمرار.

يظن البعض أن الاختلاف السياسي وليد يناير 2011، والظن بعضه إثم كما نعلم. الاختلاف السياسي بين الأفراد قديم قدم تفاعل الأفراد بعضهم بعضًا داخل المجتمعات. الاختلاف السياسي نابع من اختلاف منظور الشخص للصواب والخطأ، وفي أحيانٍ كثيرة ينبع من اعتقاده في الخير والشر.

قرارات الشخص الانتخابية على قدر ما تبدو بعيدة عن حياته الشخصية، إلا أنها انعاكس لمعتقداته الفكرية في نقطة معينة. وهذه المعتقدات تؤثر في علاقاته المختلفة.

فاختيار فكرة "الثورة" مثلًا دليل على مشكلة مع فكرة السلطة. وعدم الإيمان بفكرة السلطة قد يعني عدم القدرة على الانصياع لمؤسسة الزواج. "التصويت الديني" يدل على الإيمان بالحرية المقيدة وما يستتبعها من رؤية لدور المرأة في المجتمع وحق المجتمع في التدخل في حياة الفرد وتقويم تلك الحياة.

التصنيف السياسي للشخص لا يحدد فقط قراره الانتخابي، تصنيفه السياسي وقراره الانتخابي ما هو إلا انعاكس لرؤيته لحياته الشخصية. فالتعدد، وتعريف الخيانة الزوجية، وحق المرأة في العمل، وأسلوب تربية الأطفال كلها قضايا شخصية جدًا ولكنها كلها مواقف سياسية جدًا في ذات الوقت.

فالاختلاف السياسي في جوهره اختلاف حول رؤية العالم. عدم مشاركة الرؤية ولو جزئيًا سبب وجيه جدًا لفشل العلاقات. ولذلك مصارحة الشريك بالمواقف السياسية مبكرًا سيوفر الكثير من المشاكل وسيمكن الطرفين من خلق أرضية مشتركة لبناء تفاهمات العلاقة (إن أمكن).

التفاهم المبني على المصارحة يعيش للأبد، أما التفاهم المبني على المراوغة فيعيش بطول صبر الشريك.

وللصبر، كما نعلم، حدود!

csr