القاهرة 14°
دوت مصر

البكاء على سوريا وشعبها

هناك الآن بالعالم من يشجب ويدين تحركات الجيش السوري في حلب، وهناك أيضا آخرون فرحون بالنصر العسكري وتحرير حلب من أيدي الدواعش والإرهابيين، وما بين من يفرحون ومن يشجبون ضاع الإنسان، ضاع أصل الحكاية، ولم يلتفت إليه أحدا.

إنني لا أرى اليوم سوى هؤلاء المدنيون المسالمون وهم يفرون بأعمارهم من الهلاك فى محرقة استمرت لست سنوات كاملة، وراح ضحيتها حوالي نصف مليون ضحية، وشردت آلاف العائلات فى شتى بقاع الأرض، فضلا عن كم من الخراب والدمار لا يقدر بمال، أثار عظيمة تم تسويتها بالأرض في فاجعة لا يمكن تدارك حجم خسارتها.

قبل أن تحكموا على ما يحدث في سوريا أو تقولوا عليها أوصافا مثل المذبحة أو النصر، فكروا مليا في ما آلت إليه سوريا، فكروا في الملايين الذين شرّدتهم حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل، مواطنون ريفيون بسطاء نزلت على رؤوسهم ميليشيات عسكرية من كل صوب وحدب بدعوى الجهاد، فكروا فيما فعلته بهم تلك الحرب، الحرب التي لا تعرف الرحمة، الحرب التي تأتى على الأخضر واليابسة.

فكروا كيف كانت تقوم هذه الميليشيات بالحكم على عائلات وأسر أن تعيش وفقا لقوانين أخطر وأكبر تنظيم متطرف في العالم، فكروا هل سمحت تلك الميلشيات لهذه العائلات بالخروج الآمن من عدمه، فكروا كيف يعيش ملايين اللاجئين داخليا وخارجيا بقوانين ما أنزل الله بها من سلطان، فكروا في الغرقى في البحر، ولماذا هربوا، فكروا فيمن يعيشون اليوم تحت كل هذا القدر من الدمار والخراب، وفقا لرؤية كل أمير حرب ومجاهديه، فكروا في حجم النهب والقتل والسرقة التي مورست باسم الثورة وباسم الشعب دون حسيب أو رقيب، فلا حاكم أو حكومة أو نواب أو قضاء بل ولا حتى نقاش ولا جدال.

قبل أن يبكي العالم سوريا كان عليه أن يفكر جيدا كيف حصل المجاهدون على السلاح والأموال طوال السنوات الماضية، من أين لهم بهذا الكم من العتاد العسكري والحربي، من يدعمهم وكيف يمكن ردع من يدعمهم ويغذي وجودهم، كيف تحولت دعوات ثورية لتحقيق غد أفضل إلى حالة من الفوضى.

إن كان على العالم حقًا أن يبكي سوريا فعليه أن يبكي حين تداولت وكالات الأنباء ووسائل الإعلام في سطور عابرة أن مجموعة من الأسر قررت الخروج حين بدأت قوات الجيش في توفير ممر آمن، فما كان من الدواعش سوى قتلهم والتنكيل بنسائهم وأطفالهم، كان على العالم أن يبكي حكايات الناجون من أيدي داعش، وكيف أنهم هربوا تاركين كل شئ، إننا علينا أن نبكي حقا آلاف الأطفال الأيتام الذين تركوا نهبا للتطرف والجماعات الإرهابية طيلة سنوات، وقد صاروا مراهقون يحملون السلاح يعدونهم للتفجير هنا والقتل هناك، وليفكر العالم أن ما يحدث انتصارا كان أو مذبحة فهو ليس نهاية التطرف والإرهاب، وأن جيوبا كثيرة صارت مفتوحة لاحتضان هذا الجيل الذي يحتاج قبل إعادة الإعمار والبناء إلى تأهيل نفسى صارم، وإعادة بناء الإنسان أولا.

إن الحقيقة المؤكدة بالنسبة لي أن الإنسان هو الضحية حتى لو ظل باقيا على قيد الحياة، ولا أظن أن تحقيق الديموقراطية المنشودة التي نحلم بها جميعا – على فرض صحة الدعوات التي كانت تدعو إليه -وهو ما لا أسلم به مطلقا – تكون على حساب الإنسان نفسه.

اللهم احفظ سوريا وتول أهلها برعايتك، وأحقن دمائهم وأحفظ أعراضهم، وجنبهم الفتن، اللهمّ إنا نسألك السلامة لأهل سوريا.

csr