الجيزة 20°
دوت مصر

الألم الكاذب

بطل وبطلة قصتنا "ناس زي الفل". لا يهم كثيرًا أعمارهما ولا جنسياتهما ولا دياناتهما، كل ما يهم أن فلان وفلانة يبحثان عن الحب. الرغبة في الحب رغبة طبيعية والبحث عنه شيء بديهي. سيقول البعض إن الحب يحدث فقط حينما نتوقف عن البحث عنه وسيرفع البعض شعار "كله نصيب". ولكن في الحقيقة، أن الحب مثله مثل كل شيء في الحياة، بعضه نصيب وأحيانًا يحدث حينما نمل من الأمل في حدوثه ولكن في أغلب الأحيان الحب – كما غيره – يحدث "للجاهزين" له. الحب يحدث لأولئك الذين يتواجدون في المكان المناسب والوقت المناسب. والتواجد في المكان المناسب والوقت المناسب ليس من صنع الصدفة، بالعكس التواجد في المكان المناسب والوقت المناسب هو نتاج من العمل الجاد على "الجاهزية".

يعني إيه جاهز للحب؟

أن تكون جاهزًا للحب هو أن تحب نفسك أولًا. وحتى تحب نفسك يجب أن تتعرف عليها جيدًا، وتتصالح معها ومع حقيقة أن الأخطاء ليست نهاية العالم، وأن كل يوم جديد يمكنه أن يكون بداية لصفحة جديدة إذا تمكنا من فهم دروس الأيام السابقة. أن تكون جاهزًا للحب هو أن تعرف إجابة سؤال ماذا تريد ولماذا تريده وكيف ستحققه؟ أن تكون جاهزًا للحب هو أن تتخفف من أثقال التجارب السيئة ولا تسقطها على غير أصحابها. أن تكون جاهزًا للحب هو أن تكون مدركًا أنك مكتمل بلا شريك وأن الحب لم يُخلق لتعويض ما نشعر به من نقص، بل ليتوج ما نشعر به من اكتمال. فأنت تكون جاهزًا للحب فقط عندما تتوقف عن الظن بأنك تحتاج إلى الإنقاذ.

البعض سيقول بأن هذه "الجاهزية" ما هي إلا "كلام فارغ"، فالكثير من العلاقات تقوم في كل ثانية دون أن يكون طرفاها أو على الأقل أحدهما "جاهزًا". وهذا حقيقي، فالكثير من العلاقات تقوم دون هذه الجاهزية ويظن أطرافها أنها علاقات حب، في حين أنها تقوم في أغلبها على الاعتمادية والابتزاز العاطفي وتستمر لأسباب تتراوح بين الالتزام الاجتماعي والخوف من مواجهة شبح الوحدة.

مثل هذه العلاقات التي تقوم بلا "جاهزية" تكون مصدرا مستمرا للألم (والحب والألم Don’t mix). ولكن حتى لو أنقذك القدر (أو الحظ لو عندك مشاكل مع القدر) من ألم هذه العلاقات سيكون عليك مواجهة نوع آخر من الألم، وهو ألم الانتظار وألم السعي الفاشل أو الألم الكاذب!

نعود لفلان وفلانة "الناس اللي زي الفل" أبطال قصتنا. هما يبحثان عن الحب ولكنهما غير جاهزين فعليًا للحب. في بحثهما عن "النص التائه" يقابلان الكثير من "مشاريع الحب". ولكن لأنهما غير جاهزين فهما يسقطان تجاربهما الماضية على الحالية، أو يُحملان الطرف الآخر بتوقعات مستقبلية في وقت يجب أن يخصص للتعارف والتقارب.

فلان وفلانة – باختصار – يخنقان مشاريع الحب قبل حتى أن تبدأ. يخنقاها باستعجال حدوثها. ففلان يريد من فتاته أن تحبه وقتما يقرر أنها يجب أن تحبه، وفلانة تريد من فتاها أن يثبت حسن نواياه بإعلان زواجهما "الآن الآن وليس غدًا". أحيانًا يلبي القدر أمنيات هؤلاء، لينتهوا في علاقة مستقرة مع الألم. وأحيانًا يكون رحيمًا بهم فيموت مشروع الحب في هدوء.

يخلف هذا الموت الهادئ نوعًا من الألم الكاذب. ففلان وفلانة يظنون أنهم قد فقدوا حبًا، في حين أن كل ما فقدوه هو مشروع لأمل في علاقة ليس إلا. وفقدان هذا المشروع في الأمل مؤلم فقط لأنهما غير جاهزين للحب بعد. لأن جزء من جاهزيتك للحب هو إدراكك الفرق بين مشروع الأمل والأمل، جزء من جاهزيتك للحب هو إدراكك أن "الحب مش بالعافية".

جزء من جاهزيتك للحب هو إدراكك أن رغبتنا في أي شيء لا تعني بالضرورة حدوثه، وأن عدم حدوث هذا الشيء الذي نريد لا يعني أنها نهاية العالم. جزء من جاهزيتك للحب هو التحرر من قيود انتظار شخص بعينه.

سيأتيك الحب دائمًا حينما تكون جاهزًا، ولن تكون جاهزًا حتى تتمكن من التمييز بين الألم الحقيقي وأسبابه والألم الكاذب وأوهامه.

csr