القاهرة 20°
دوت مصر
أحمد ناجي قمحة

أنا أنا أنا.. أحب العسكري

صدعتنا قناة الجزيرة على مدار الأسبوع الماضي بالإعلان عن مفاجأتها لجمهور متابعيها في أقصى الأرض وأدناها بأنها ستقوم بإذاعة فيلم العسكري، يا للهول نزل علينا الخبر كالصاعقة، لقد إنكشفنا يا رجال، سننفضح أمام العالم، فلنسارع بعقد إجتماعات على أعلى مستوى للتباحث في كيفية تفادي الآثار السلبية المؤكدة على صورتنا أمام العالم وأمام شعبنا. هكذا كانت حسابات الجزيرة، وهي تتصور أنه مازال لها نفس السحر والبريق في التأثير على توجهات الرأي العام، لم تدرك الجزيرة أنها باتت مفضوحة، وأنها يومًا بعد الآخر تنزلق أكثر وأكثر في بئر خيانة أمتها العربية وتضليل شعوبها لتحقيق رغبات الأجهزة المخابراتية التي أنشأتها وأدارتها ومازالت تتحكم في المحتوى والمضمون الذي تبثه.

لم تتوقف الدولة المصرية كثيرًا أمام الدعاية التمهيدية التي بدأت تنطلق على قناة الجزيرة تمهيدًا لعرض الفيلم، فالدولة تدرك جيدًا ثقل وحجم الدور المصري، وحقيقة وضعية قواتها المسلحة وتصنيفها بين جيوش العالم، وهي أيضًا تدرك مدى التغير الهائل الذي حدث في الوعي العام أحد المكونات الرئيسية للرأي العام للمصريين على مدار السنوات الخمسة السابقة، وهي تعلم علم اليقين بإنفضاح دور الجزيرة وحكام قطر في التآمر على الدولة والنظام المصري، وهي تدرك أن الفيلم قد لا يكون هو الأخطر مثلما الحال مع تصريح وزير خارجية الجزيرة الناطقة بإسم قطر الذي حاول فيه دق الأسافين بين النظام المصري والأنظمة المصرية الحليفة في الخليج العربي. لكل ذلك لم تتوقف الدولة المصرية كثيرًا أمام الإعلان عن الفيلم، ولم تعطه أكثر من حقه، فالإهتمام بالحقير يزيد من قيمته. وإن كان من المؤكد أن الدولة المصرية لن تترك الأمر يمر مرور الكرام، ولكن سيكون رد فعلها موازيًا لحجم الجرم وبما يحفظ لمصر كرامتها وكرامة مؤسساتها، وعندما يأتي الرد من رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فثقوا أبناء الشعب المصري أنه سيكون ردًا حاسمًا ورادعًا.

غير أن الظهير الشعبي للجيش المصري، الذي تعارف عليه مؤخرًا بالجيش الاجتماعي الإلكتروني، قد تكفل وحده ودون أي طلب بالرد على الجزيرة التي لم تستوعب الدرس الذي أخذه المدعة إياد مدني الذي تطاول على رمز الدولة المصرية فإنتفض المصريون دفاعًا عن الرئيس حتى تقدم مدني بإستقالته، شرع الشعب المصري في إعمال كل آليات إبداعه الساخرة ضاربة الجذور في خفة الدم المصرية التي لم تدع أمرًا يخص الجزيرة وقطر وحكامها إلا وعرته وسحقته، وسيطرت على مواقع التواصل الاجتماعي للرد على شروع الجزيرة في إذاعة ما ينتهك حرمة وقدسية المؤسسة العسكرية المصرية وجنودها وضباطها، ويحاول المساس بشرف أقدم جيوش العالم. لم يترك الجيش الشعبي الاجتماعي على مدار 48 ساعة سبقت إذاعة الفيلم أيا ما يخص تلك الدويلة أم قناة إلا وتناولوه بسخرية أضحكت كل العالم، وفرض الجيش الاجتماعي نفسه في تغطية أهم المواقع الإخبارية، بحيث تصدرت الحملة التي شنها الأخبار والعناوين الرئيسية للعديد من المحطات والوكالات الإخبارية. حقًا إنه شعب له جيش، إنها علاقة لن يمكن لأحد أن يقترب منها مهما حاول السفهاء مننا، وحقًا أيضًا فهو جيش له شعب، إنها المعادلة الصعبة التي يحاولون حلها ويرونها عصية مهما تعددت الحيل وكثرت المؤامرات.

ما علينا، تابع الكثير من المراقبين الفيلم إنتظارًا لمادة توثيقية، أو مادة دراماتيكية، تحقق ما يتوهمه أعداء الوطن، وجاءت اللحظة التاريخية، لكي يفاجأ الجميع بفيلم فكاهي، جرى تصوير أحداثه بمعرفة مصريين يعيشون على أرض دويلة الجزيرة قطر، ولكنهم ليسوا بمصريين بل هم ممن ينتمون لتنظيم الإخوان الإرهابي مناصر العداء الأول للجيش والشعب المصري، لذا أتعفف عن أن يكونوا مصريين، بس برضه ما علينا، بطاقتهم وجواز سفرهم بيقولوا كدة.

ويستعرض الفيلم المحطات الرئيسية التي يمر بها المجند منذ لحظة تقدمه للتجنيد وحتى إنتهاء مهمته المقدسة، فتبدأ رحلته مع الجيش بإجراء الكشف الطبي لمعرفة إن كان لائقًا أو غير لائق للالتحاق بالجيش، ثم تأتي فترة مركز التدريب وبداية الحياة الميري التي تكون مدتها في الغالب 45 يومًا أو على حسب نظام كل مركز تدريب، ثم بداية تأدية الخدمة العسكرية بالتحاق المجندين كل منهم بوحدته العسكرية على حسب سلاحه.

اعتمد الفيلم على حكايات وشهادات تبث لأول مرة من خلال عساكر وضباط وصف ضباط، هذا إلى جانب ما نقله من لقطات مسربة وأرشيفية من داخل الجيش، كما اعتمد بشكل جزئي على المشاهد التمثيلية التي يحاكي فيها وقائع مختلفة يواجهها المجندون داخل الجيش، كما استضاف الفيلم نورفيل دي أتكين، مدير البرامج العسكرية ببرنامج التعاون العسكري المصري الأمريكي سابقًا.

الفيلم من إخراج عماد الدين السيد أحد المتهمين في تصوير إعتصام رابعة ونقل أخبار مغلوطة عن فض الإعتصام الإرهابي والذي قبض عليه ثم أفرج عنه ليسافر ويلتحق بالجزيرة التي كانت له علاقات بها منذ 2011 وكان من المقربين من وضاح خنفر، وعماد الدين السيد يا سادة كان عضوًا في الحزب الوطني الديمقراطي قبل يناير 2011، واستغرق تصوير الفيلم وصناعته مدة تجاوزت العام ، ليسجل مع من خاض تجربة الالتحاق بالجيش المصري في سرية تامة، وهناك من رفض التسجيل صوتًا أو صورة، والبعض طلب تغيير الصوت وإخفاء الوجه.

البداية.. الكشف الطبي

يعرض الفيلم في بدايته مواد الدستور الثلاثة الخاصة بالتجنيد الاجباري لمن يبلغ الـ 18 من عمره، ومدة الخدمة العسكرية لكل فئة شبابية على حسب مؤهله الدراسي، ومواد الحبس والغرامة للمتهربين من تأدية الخدمة العسكرية.

يبدأ العساكر في رواية قصصهم مع التجنيد باعتباره عقبة في مستقبل أي فرد ووقت ضائع يهينون به أنفسهم، بداية من الكشف الطبي الذي يتم على يد أطباء تابعين للقوات المسلحة من خلال «خلع» كافة الملابس والوقوف بالداخلية فقط، يمر الفرد على العيادات المختلفة للكشف عليه ومن بينها الكشف على أعضاء الذكر التانسلية لمعرفة «أنت راجل ولا مش راجل»، حسبما يوضح أحد المجندين بالجيش.

بعد الانتهاء من الكشف الطبي تبدأ مرحلة جديدة، وهي سماع السلاح الخاص بك، ومن ثم تسمع الجملة المعادة من أحد أفراد الجيش: مرحبا بكم في القوات المسلحة.

مركز التدريب.. شكل جمالي فقط

يروى أحد المجندين أن المهمة الأساسية لمركز التدريب هي تدريبك على الإمكانيات اللازمة الخاصة بسلاحك، هذا إلى جانب تعلم ضرب النار بكفاءة عالية أيًا كان السلاح المنتمي إليه المجند؛ إلا أن الواقع مختلف.

فبالنسبة لضرب النار يتم الشرح نظريًا أكثر منه عمليًا، مما لا يؤهل المجند لمعرفة كيفية استخدام السلاح بشكل صحيح والتنشين على الهدف، حيث «أهم حاجة في النشان الفوارغ، هو مش هيسألني العيال نشنّوا، جابوا ولا لأ، هو هيسألني عن الفوارغ»، حسبما يوضح صف ظابط بالجيش.

وهناك من المجندين من لم يزُر ميدان الرماية سوى 3 مرات خلال فترة تجنيده كاملة، فضبّاط الاحتياط غير مؤهلين لضرب النار أثناء الحرب، خاصة وأن التدريب على ضرب النار لا يتم في وضعيات مختلفة.

يتم تدريب العساكر أثناء فترة مركز التدريب على العرض العسكري الذي يقام عند انتهاء فترتهم بالمركز أمام الوزير والقيادات العسكرية المختلفة، حسبما أوضح أحد المجندين سابقًا: «هما بيجهزونا عشان حفلة التخرج اللي هيحضرها الوزير»، وجزء أساسي من تلك التدريبات يقتصر على المشي العسكري والخطوة المعتادة. بينما يتم تدريب الصاعقة بشكل مختلف ومنفصل على تدريبات أكثر احترافية، لتكون النتيجة في النهاية «شكل جمالي» من دون أي استفادة حقيقية من فرد مقاتل.

وتحدث نورفيل دي أتكين عن كون المصريين أكثر مهارة من الأمريكان في العروض العسكرية، لأنها هدف في حد ذاته يتم التدريب عليه بالمؤسسة العسكرية المصرية، إلا أن تلك العروض لا تعبر عن مستوى الجنود الحقيقي.

وحدة الخدمة.. الإهانة والانتحار

تحدث ضيوف الفيلم عن «التشريفة»، وهي طريقة استقبال المجندين بوحدات التدريب من خلال الزحف بالشورتات على التراب والرش بالماء وغيرها من الأساليب المهينة، ليعلم المجند قدره الحقيقي داخل الجيش، ويقول صف الظباط بالفيلم: "انت لو ريحت الطالب هيطلع عينك انما لو طلعت عينه هيريحك".

ويبدأ يوم المجند بالخامسة صباحًا لتنظيف الوحدة وتسوية أرض الطابور، ومسح وكنس وتنظيف الحمامات والمباني، وأشياء لا تمت للعسكرية بصلة. ويظهر الفيلم طابع الحياة القاسية التي يواجهها المجندون من ضغط نفسي ومعاملة مهينة خاصة العساكر، حيث تحدث البعض عن وجود الشتائم الميري مثل: يا مقطف أو يا زبالة؛ إلا أن أحد المجندين سابقًا تحدث عن شتائم بالأم وتعرضه للضرب.

وتكلم البعض في الفيلم عن استخدام الظباط لبعض العساكر سخرة في بيوتهم ولأداء خدمات شخصية بعيدًا عن خدمتهم العسكرية، هذا إلى جانب استخدام المجندين في المشاريع الاقتصادية الخاصة بالقوات المسلحة في مجالاتها المختلفة من بناء وإنتاج زراعي وحيواني وخدمات عامة، فهناك جزء من المجندين يقضون خدمتهم العسكرية في بنزينات وطنية وأكشاك صافي ودور وفنادق القوات المسلحة، ويقول أحد ضيوف الفيلم: "أي عامل عشان يشتغل الشغل ده هياخد مبلغ وقدره وعمرك ما هتعرف تسخره زي عسكري".

فتعمل المؤسسة العسكرية على استغلال المجندين بالمشاريع الاقتصادية براتب لا يتعدى الـ 230 جنيه مصري، بدلًا من توظيف مدنيين برواتب تصل إلى 1500 جنيه على أقل تقدير.

كما تكلم الفيلم عن العسكري «سيكه» وهو لقب يطلق على من يخدم بمكتب القائد، يحضر له الشاي والقهوة ويعمل على خدمته الشخصية وأحيانا يكون «عصفورة» تنقل أخبار زملاءه المجندين إلى القائد. ويكون صف الظابط هو الوصلة بين العسكري والظابط، وعادة يحمل الإعدادية ويكون متطوعًا بالجيش مما يشعره بدونية وسط المؤهلات العليا، فيتعمد أن يهين العساكر.

وتتحكم «الأقدمية» في الجيش بشكل ملحوظ، ويتم التكدير من خلال 6 استعددات أو الحرمان من الاجازة وأحيانا المحاكمة، كما أن على المجند تنفيذ الأمر مهما كان ثم – إذا أراد – يمكنه التظلم لاحقًا. وبسبب كل تلك القسوة تحدث أحد المجندين عن جنود يهربون من الجيش وآخرين يحاولون الانتحار وينجح بعضهم، وينتهي الفيلم بأخبار استشهاد الجنود بسيناء الأعوام الماضية.

ومن حيث إنتهى الفيلم، نبدأ، هل يا جهلة التوثيق بعد كل هذا الذي عرضتموه يكون هذا التكالب على الخدمة في سيناء؟، هل بعد كل هذه الإهانات يبذل المجندون وصف الضباط والضباط أرواحهم لكي يحموا الوطن والمواطن؟، هل يا حمار يا غبي المجند شويقة الذي إحتضن الإرهابي الملغم بحزام ناسف وذهب به بعيدًا ليفدي زملاءه من الجنود والضباط يكون قد تعرض للإهانة والتحقير؟ هل لا تفرقون بين الشهادة والإنتحار يا أجهل بني الأرض؟ هل لا تعلمون وكيف تعلمون أن جهاز مشروعات الخدمة الوطنية يدير أكبر شبكة مشروعات مكنت القوات المسلحة من تحقيق الإكتفاء الذاتي دون الحاجة إلى الاقتطاع من المخصصات المدنية؟ هل تعلم يا غبي أن إدارة الإمداد والتموين في القوات المسلحة تمكنت خلال فوضى يناير أن تقي محافظات مصر الطرفية والمحافظات البعيدة من شر الجوع والعوز عبر أكبر خطة للإنتشار وتوزيع المنتجات والسلع التي ينتجها جهاز الخدمة الوطنية؟ هل تعلم يا غبي أن جهاز مشروعات الخدمة الوطنية به العديد من الصناعات التكنولوجية المتخصصة التي لن نصارحكم بها ولكنها صناعات تمكن قواتنا المسلحة من تحقيق التفوق التكتيكي عبر تطوير أسلحة لا يمكن لمن يوجهكم إلا أن يقف منتبهًا منبهرًا وهو يشاهد تفوقها على ما يملكه من أسلحة؟ هل يا حمار يا غبي لا تعلم أن التجنيد في القوات المسلحة هو أمنية لكل شاب مصري، بالطبع لم تصادف من يحدثك عن كيف كان وكيف أصبح بعد أن تخرج من مدرسة الوطنية المصرية؟

يبدو أن الحمار العبي لم ولن يسمع إلا ما يفرضه عليه أسياده، بس سيبك يا حمار يا غبي أحب أقولك إن الشعب المصري بيوصيك تسمع أشهر أغنية لمبيد حشرات متمنين لك أن تستخدمها في أقرب فرصة وتذيبها في كوب الشاي أو القهوة التركي التي تحتسيها الآن بعد أن هربت لتركيا يا عماد يا بتاع الحزب الوطني، أظنك عارفها أكيد ماما سمعتهالك وانت صغير، الأغنية بتقول.. وأنا وأنا وأنا أحب العسكري.

csr