القاهرة 21°
دوت مصر

أكتوبر.. هل خسرنا الحرب؟

في 9 مايو 2015 شاهد العالم الاحتفال الروسي الضخم بمرور 70 عامًا على الانتصار على ألمانيا النازية. احتفلت روسيا بعرض عسكري ضخم ومسيرات شعبية وبدا أن الشعب الروسي يحتفي بأرواح من ماتوا من أجل الحرية. كنت أتجول بين الصور وما تتناوله وسائل الإعلام عن الاحتفال وذكريات الحرب حينما لفت نظري مقال في أحد الصحف الأمريكية بعنوان يتساءل عما إذا كان السوفيت قد انتصروا في الحرب بالفعل.

كاتب المقال روسي، بدأ مقاله بذكرياته عن يوم النصر وعن أبيه العجوز الذي يخرج نياشينه في فخر ويخرج للشوارع ليحتفل بانتصار صنعه بيديه. ثم يستطرد كاتب المقال ليصف الانتصار بالمزيف ويشكك في جدواه بعقد مقارنة بين حال الاتحاد السوفيتي/ روسيا من بعد الحرب وحتى اليوم، وحال ألمانيا. يسخر كاتب المقال من احتفالات روسيا بالنصر لأن في نظره روسيا لم تنتصر.

رأي الكاتب يبدو وجيهًا، ومبنيًا على "حقائق". فالكاتب وصف النصر بالمزيف بناءً على إحصائيات الخسائر السوفيتية. خسر السوفيت الكثير من الأرواح والمال والعتاد للدفاع عن "حريتهم". هذه الخسارة لا يعوضها في نظر الكاتب الحقيقة بأنه في السباق بين قوى الحلفاء للوصول لهتلر وصل الجيش الأحمر أولًا. هذه الخسارة - في نظر الكاتب - لا يمكن اعتبارها ثمنًا ملائمًا لخروج السوفيت من الحرب كقوى عظمى تفرض شروطها ليس فقط على المهزوم ولكن أيضًا على شركائها في هذا النصر.

رأي الكاتب "الوجيه" لا يُعبر عن حقيقة ما حدث في الحرب العالمية الثانية بقدر ما يُعبر عن حقيقة ما حدث بعدها. رأي الكاتب يعبر عن الحقيقة التي خلفتها مرارة الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفيتي. رأي الكاتب يعكس ما يشعر به مواطن عالمي لا منتمي، لا يجد في تضحية أبيه أهمية. ولا يرى اختلافًا بين الاحتفال بالنصر بتكريم الجنود المشاركين، وبين الإقرار السنوي بالهزيمة بزيارة النصب التذكاري لقتلى الجيوش التي دحرت أمتك. رأي الكاتب رغم وجاهته سطحي ومبني على حقائق مجتزئة ولكن على الرغم من ذلك وجد طريقه لصحيفة أمريكية شهيرة وأصبح- سواء اتفقنا معه أو اختلفنا- جزءا من "الحدوتة"، وربما يومًا ما يصبح هذا الرأي السطحي المبني على اجتزاء الحقائق هو الرواية المعتمدة لحرب النازي والسوفيت.

وكما يشكك الروسي صاحب الرأي الوجيه في نصر بلاده، يظهر في هذا الجزء من العالم بشكل موسمي بعض المشككين في انتصار أكتوبر. مددجين ببروبجندا جيش الدفاع الإسرائيلي يبدأ هؤلاء "المساخيط" في نسج الأساطير حول "هزيمة" الجيش المصري أمام الإسرائيلي. وأحيانًا يطل علينا منهم من يلبس عباءة الخبير العسكري ليقول "الحرب كانت تعادل". ويبدأ كل منهم في شرح "الثغرة" وخطورتها وكيف أنها قلبت الأوراق رأسًا على عقب مستعينين "بوجهة نظر أحدهم" كدليل على صحة وجهة نظرهم. وهكذا يستطردون في الشرح بأن اتفاق السلام مع إسرائيل كان اتفاق استسلام، وأن أبي وأبيك ممن شاركوا في تطهير الأرض من الدنس لم يطهروه حقًا، وأن نياشينهم كنياشين هذا المحارب الروسي العجوز لا تدل إلا على وهم.

ورغم أن وجهات نظرهم المبنية على وجهات نظر أخرى تحير في إجابة لماذا إذن قبل الإسرائيليون بوقف إطلاق النار إذا كان في استطاعتهم فعلًا حسم الحرب لصالحهم والعودة لخطوط ما بعد 5 يونيو 1967، ولماذا قبلوا بانهيار نظرية الأمن الإسرائيلي وقتها. إلا أن "المساخيط" لا يستحون من ترديد وجهات نظرهم، لا لشيء إلا لجعلها جزءا من "الحدوتة"، فربما يومًا ما تصبح رواية "حرب التعادل" هي الرواية الرسمية لما حدث في أكتوبر 1973. ربما يومًا ما ستنسى الحقيقة وتتحول كل "الحواديت" لوجهات نظر مقبولة. ربما سيأتي اليوم الذي تكتب فيه المرارة تاريخ الوطن فتطمس الانتصار لا لشيء إلا لضغينة مع أصحابه.

ربما سيأتي هذا اليوم لأنه رغم أننا لم نخسر الحرب في أكتوبر إلا أننا ربما- مثلنا في ذلك مثل السوفيت – قد خسرنا معارك السلام.

csr