هل نصدق "ويكيبيديا" عندما تخبرنا أن 28 مارس ذكرى وفاة علي أمين؟

    ارتبط اسم الكاتبين الراحلين علي ومصطفى أمين في عالم الصحافة المصرية، لدرجة تجعل الكتابة عن أحدهما في التقارير الصحفية دون ذكر الآخر أشبه بعملية فصل توأم ملتصق، تفردا في أسلوبهما الصحفي، أضافا بعدًا إنسانيًا لمهنة تعتمد على ماكينات طباعة، وأحبار تجف سريعًا على الورق.

    القارئ الذي يبحث عن باب حدث في مثل هذا اليوم، سوف تخبره محركات البحث أن الكاتب الصحفي علي أمين رحل يوم 28 مارس 1976، بينما الكاتبة سناء البيسي، ذكرت أنه توفي يوم 3 أبريل 1976، بعيدًا عن توقيت الوفاة نفسه، هل نحن متأكدون أن الشخص الذي مات علي أمين وليس مصطفى؟!

    أشار الكاتب الصحفي الراحل مصطفى أمين في كتابه "مسائل شخصية"، إلى أن التشابه مع شقيقه علي أمين، بدأ منذ اللحظة الأولى التي خرجا فيها للحياة، لذا كان يضعان شريطين بلونين مختلفين في أيديهما للتمييز بينهما، وكونهما طفلين كانا يتبادلان الأشرطة أكثر من مرة، ما أصاب الوالدين الحيرة من يكون علي ومصطفى، الأستاذ مصطفى أمين نفسه ذكرها صراحة: "حتى الآن لا أعلم تحديدًا هل انا علي أم مصطفى أمين؟".

    الطفلان علي ومصطفى أمين

    الطفلان علي ومصطفى أمين

    يبدو أن لعبة التبادل بين التوأمين لم تتوقف عند مرحلة الطفولة، في الوقت الذي كان مصطفى يختار قماش بدلة، كان علي يشتري نفس اللون في محل أخر، واتفق أحدهما مع الحلاق على دفع رسم شهري مقابل حلاقة الذقن، وكان الرجل يظنهما شخصًا واحدًا، وانتهت الخدعة عندما دخل "مصطفى" المحل بعد "علي" بخمس دقائق فقط؛ لوضع الموس على نفس الملامح التي كانت تحلق قبل بدقائق.

    “ساعدني أن أكون إشتراكيا في حبي، فأوزعه على كل الناس!” ― علي أمين

    يقول الكاتب مصطفى أمين، أن أخيه كان يكمله في أشياء كثيرة، يكتب أحدهما مقالًا ينهيه الأخر، ولا يلاحظ القارئ اختلاف الأسلوب، وعندما كان علي مشغولًا في بروفات الجرنال، يكمل مصطفى المكالمة مع زوجته دون أن تكتشف فرق الصوت.

    هذا التشابه العجيب جعل علي أمين يخدع رئيس وزراء مصر حسين سري باشا، في أربعينات القرن العشرين، في تلك الفترة كان مصطفى يعمل صحفيًا، بينما علي أمين موظفًا صغيرًا في مكتب رئيس الوزراء، وكان رجلًا صارمًا في القواعد والتعليمات، وأصدر أمرًا بمنع صغار الموظفين من استخدام الأسانسير.

    تصادف أن علي حضر متأخرًا على عمله، وقابل في الأسانسير حسين سري باشا، الذي بدأ في تعنيف لخروجه عن القواعد، لكن علي أمين حضرته فكرة التبادل مع أخيه وقال بجدية: معاليك فاكرني مين؟.. أنا لست بـ"علي"، أنا مصطفى أمين رئيس تحرير آخر ساعة، فقال حسين سري: "يا سي مصطفى أنا بهزر، تعال اشرب فنجان قهوة في مكتبي".

    بعد ذلك أخذ علي أمين رابطة عنق من زميل له، وعندما استدعاه رئيس الوزراء، ذكر له الواقعة، وقال لـ علي: "بقى معقول مش هعرف الفرق بينك وبين أخوك مصطفى"، وبذلك نجا علي أمين من عقاب حسين سري باشا بفضل ملامحه المشتركة مع أخيه.

    من منهما علي أمين

    من منهما علي أمين؟

    لم تسلم العلاقات الغرامية من التشابه، أحبت بنت الجيران "زليخة" التلميذة بمدرسة السنية، علي أو مصطفى أمين، ظنًا منها أنهما شخص واحد، وكان كلا منهما يحبها، كانت ترسل الخطابات الغرامية وعندما يقع في يد أحدهما يظن أنه المقصود، إلى أن اكتشفا أن الفتاة تحب أثنين، وبالطبع صدمت "زليخة" عندما عرفت أنهما توأمين، وفاز مصطفى بالبنت بعدما لعبا "ملك وكتابة".

    “ساعة ظلم واحدة تساوي ألف سنة ” ― علي أمين

    اللافت أن علي أمين صاحب الجسد الضخم، كان مرهف الحس، تدمع عيناه في المواقف الإنسانية، لهذا لم يكن مصطفى مندهشًا من زيارته للإسكندرية فور وصوله من لندن في الثلاثينات، ذهب ليقرأ الفاتحة لامرأة تحدثت معه لدقائق فقط قبل سنوات من رحيلها، ومع ذلك كان يتذكرها دومًا، كانت تلك الفتاة راقصة، وكان مصطفى وعلي يقضيان سهرة مع زملاءهما في سهرة وداع لـ علي المسافر لدراسة الهندسة في لندن، وقالت الفتاة إنها مترددة في الزواج من بلطجي، يريد امتلاكها للحصول على قوت يومها، ونصحها علي أمين باستخدام إرادتها الحرة، ويبدو أن كلماته شجعتها على مواجهة الفتوة الذي قتلها، وعندما عرف من مصطفى ما حدث، دمعت عيناه، وكلما ذهب إلى الإسكندرية قرأ لها الفاتحة.

    “إن أخبار اليوم هي حبيبتي ” ― علي أمين

    بعيدًا عن مصطفى، كان علي أمين يمتلك رؤية صحفية متطورة، وسعى دومًا للتجديد، كان يقول للصحفيين: "اكتب باختصار وكأنك تكتب برقية ستدفع عن كل كلمة فيها قرشاً"، تلك الجملة تعد أهم قواعد الكتابة في المواقع الإلكترونية، رغم أن قائلها رحل منذ 41 عامًا.

    كان علي أمين متحمسًا للأفكار الطازجة، لا يكل من التجارب، وقد كان عموده اليومي "فكرة" أحد المغامرات التي خاضها منفردًا، في بداية صدور جريدة الأخبار رفض كبار الكتاب كتابة مقال في الصفحة الأخيرة، لأن القارئ لم يكن مهتمًا بالاطلاع عليها، لكن علي قرر أن يكتب لوحده يوميًا في زاوية "فكرة"، 25 يونيو عام 1952، وكان يقول: "إذا أعجب القارئ بعمود فكرة سيقلب الصحيفة ليقرأه من الصفحة الأخيرة، وإذا لم يعجبه الباب فلن يقرأه ولو وضع في الصفحة الأولى"، ومع الوقت صارت "فكرة" أشهر مقال يومي في الصحافة المصرية والعربية.

    علي أمين.. فكرة

    علي أمين.. فكرة

    معظم الحكايات التي ذكرت عن علي أمين مصدرها توأمه مصطفى أمين، لكن بعد وفاته أصدرت أخبار اليوم كتابًا اسمه "علي أمين الصحفي والإنسان"، شارك فيه معظم كتاب مصر، الذي أشادوا بعشقة لمهنة الصحافة، وأخبار اليوم، وكان آخر ما كتبه في "فكرة" بمثابة رسالة وداع للقارئ: "إن أخبار اليوم هي حبيبتي، لا أستطيع فراقها يوماً واحداً، أدق بابها في الصباح المبكر أحياناً قبل السعاة والفراشين، ولا أتركها في المساء إلا بعد أن ينصرف أغلب الزملاء! ولا أعرف سر هذا العشق الذي لا يريد أن يشيخ!".

    في مقاله الأخير لم يتحدث علي أمين للصحفيين فقط، ودع القارئ بطريقة تناسب عطاء المرسل، ومحبة المرسل إليه: "الكاتب يشعر بأن القراء هم أهله، إخوته، أشقاؤه، أبناؤه، ويحس أنهم يهتمون به كما يهتم بهم، إنه قطعة منهم، وهم قطعة منه، وهذا هو الذى جعلني أحس برغبة دائمة أن ألقاهم كل يوم، أن أصافح كل يد، كأنني أقول لكل واحد منهم صباح الخير.. هذا الشعور العجيب الذي يربط الكاتب بقرائه هو أجمل ما في مهنة الصحافة".