قبور في السماء

    استقر في الوعي البشري منذ القدم أن الإنسان حين يحضره الموت، تنفصل روحه عن جسده، فتصعَّد روحه في مكان عليّ، ويستقر جسده في أديم الأرض، والفكرة ترتبط بطبيعة دور كل من الجسد والروح في حياة الإنسان، الجسد محل الرغبات والتطلعات والشهوات وأيضا محل الحركة والسكون والفتوة والهزال، وكذا المرض والترهل والعجْز، والشيخوخة والموت، ومن ثم الفناء.

    وأما الروح فهي الجانب المنزه، قبس من وهبة الإله بمكنون الإنسان محفوظ، تتجه إلى مُستقر يرتبط بعلو المقام وارتقاء المكان بما لم يصل إليه الجسد.

    لكن على خلاف هذا نجد لدينا أمثلة مغايرة قد خالفت تلك الطبيعة، وكأن القدر يضرب بهم الأمثلة الاستثنائية والأسوة المتفردة.. فأي إيمان امتلكتموه وأية قيم تلبستكم في تلك اللحظة ودفعتكم بحرارة وقوة بغير رجعة ولا تردد على احتضان الموت؟! تجربة مثيرة لحظاتها كدهور، يلحق فيها محمد أيمن شويقة، برفيقه الشحات شتا.

    يموت المثال من هؤلاء فربما نجد من بقايا جسده أقل القليل فقط لنودعه باطن الأرض، بينما يرافق أغلب جسده روحه الخالدة في رحلتها، وربما يتبخر سائر الجسد مع أثير الروح إلى مستقرها، كما رافق جسد "الشحات شتا" بأكمله أرضنا دون أثر باق.

    الشحات شتا هو ماركة مُسجلة باسم هذه الأرض، نبتة من طينها تحمل سرها وقُدسها، الشحات شتا هو اسم لن تجد خيرا منه في تراث الأسماء أو في طبقات الثقافة الشعبية المصرية المتراكمة، ليعبر عما تسطره كتابات المحللين في مجلدات.. الشحات شتا.. قطعة أدبية منحوتة في اسم ولقب.

    فجسد الشحات شتا الذي بدا لنا مادي ملموس، لم يعد له أثر، ولم يعثر عليه زملاؤه، في أحداث الهجوم على الكتيبة 101 فى يناير الماضي.. صعد الجسد كالأرواح الأثيرية بكامل تكوينه، تهديه الأرض للسماء.. فهذه الأرض أنبتت أبناءً بلغت أجسادهم من السمو ما يجعلها ترفض إيواء أجسادهم، وتهديها للسماء، وتقبلتها السموات بقبول حسن.

    إن لدينا الشحات شتا كعلامة مسجلة لأسطورة وطنية، اسمه وحده يصح أن يكون رتبة شرف عسكرية لا ينالها إلا العظماء.

    محمد أيمن، أو العلامة الجديدة في سجلات ملاحم الوطن، تخبرنا ملامحه بالجدية والسكينة وألفة الموت كما هي ألفة الحياة في آن.. يطلق المصريون على أشباهه "ابن موت". روايات رفاقه حول مشهده الأخير، تدور حول مشهد بناء أسطوري متكامل، يودعهم مبتسما لنداءاتهم المتكررة بالعودة، يلتفت بوجهه لكنه لا ينكص وخطواته تسير للأمام.. يذهب في إصرار هادئ نحو نداهة الموت، يحتضن قاتله ويغادر معه.. للأسف ينقطع البث في هذه اللحظة، لا يوجد راوِ يستطيع وصف تلك اللحظات الدهرية سوى بطل القصة، وهو لسوء حظنا أدى ما عليه وانصرف دون أن يهتم بالتدوين.

    ماذا غُرس في نفوس هؤلاء ليختمر لديهم اليقين بهذا الاكتمال؟! ربما لا ندرك كامل تفاصيل قصة بطلنا محمد أيمن كما هي في رواية الشحات، وقد كفّن زملاؤه جسده الطيب أو أثره الكريم دون أن يرينه لأبيه الصابر المخلص لوطنه، كعهد قطعوه على أنفسهم في حالات الاستشهاد الواقعة بينهم.

    يتردد بالبداهة أن هؤلاء الأبطال قد ماتوا دفاعا عنا أو لحماية بلادهم، وهو قول منقوص. فإن بطولات جنودنا في حرب العبور منذ أربعين عاما ويزيد، قد دشنت لنا من موجبات الوجود والاعتزاز والوطنية ما نزال نعيش ونفتخر به حتى اليوم، ونشحذ من خلاله هممنا ونستمد منه شحنات وطنيتنا إذا ما خذلتنا الأيام أو تكالب علينا الأعداء، بل إن بطولاتهم في لحظات معينة تساوي لدينا الوطنية كاملة.

    والشحات ومحمد أيمن ورفاقهما قد قاموا بما هو أعظم وأجَّل من الدفاع عن الوطن والأهل، فقد دعموا جدار الوطنية الذي حاول آخرون هدمه السنوات الماضية بكل غرور وخسة، حتى علا الجدار واشتد مقامه بتضحياتهم بما يُعجِز أعداؤه.. وسيظل أثر بطولاتهم باق لعقود قادمة، قيمة وأسوة لأجيال عديدة تنشأ الآن وأخرى ستأتي بعد لتتناقلها وتتباهى بها، وتُلضم عَظَمتهم في عِقد بطولات سابقيهم. وقبل أن يخفت أثر الحكايا والبطولات القديمة، لتلتحم البطولات من جيل إلى جيل ، متسلقة جدران الوطن الأم راسمة عليه وجوه الشهداء والخالدين.. إنها بطولات مسجلة بقوة عقيدة الفرد المقاتل في عصر التفوق التكنولوجي وبطولات ضغط أزرار الحواسب الفائقة.

    الشحات وشويقة وغيرهما ممن رحلوا أو ممن يسجلون أمجادهم الآن بجبهات مصر، قد دشنوا موجبات الفخر والاعتزاز لأجيال وعصور قادمة، يرتكز عليها المصريون لنصف قرن قادم على الأقل.. بهؤلاء تبقى الأوطان وتحتفظ بفاعليتها وأثرها، ويوما سنسمع أجيالاً يتباهون بأنهم من أرض الشحات وشويقة، كما يذكرون نجيب محفوظ أو أم كلثوم أو الأهرام، ويتبقى على الدولة أن تضم سيرتهم الطيبة ضمن فصول كتب التاريخ المعاصر، وأن يضع كل صاحب عمل تنويري أو إعلامي أو فني أو ثقافي بطولاتهم نصب عينيه، ويمنحهم نصيبا من عمله وإبداعه فلا يصح لأحد أن يتحجج بغياب المُثل والقضايا والأفكار المُلهمة بعد الآن.

    محمد أيمن شهيد الوطن