فايزة مش عايزة!

    أنتفض من سريري كل صباح في تمام الساعة الخامسة والنصف، كعسكري صف يؤدي التحية الصباحية للسيد اللواء "المنبه"، دون أدنى أمل في غفلة سريعة، تضيف دقائق إضافية بين "الشوطين" لجسدي المنهك الذي تواصلت أيامه كـ"ماتش" طويل مع فريق، أشرس لاعبيه الوقت والمصالح الحكومية.

    أنطلق إلى القهوة كمدد من عند الله، على بداية أيام متشابهات أحداثها أطول من الوقت المتاح لفهمها، بينما أجهز "ساندويشات المدرسة" للصغيرات، أحاول مؤانسة صباحي بالراديو مطلاً عليَّ بأسعار الخضر والفاكهة، كتحذير للمواطن بأن سياسة "وجع البطن ولا رمي الطبيخ"، أصبحت أمر نافذ ولا راد لقضاء الله، لأصرخ كأم تعرف مهامها كمنبه ومنها تنفيس "إصحو يا بنات معاد المدرسة".

    بين محايلة الصغيرة "المقريفة" لتنهض من السرير، والصبر على المراهقة "الغاضبة دوماً" أكوي الزي المدرسي؛ لنبدأ رحلة جديدة من "مش عايزين نفطر بيض"؛ لأتمتم كمهرطقة "إنتو عارفين البيضة بقت بكام؟ "

    أدور في دائرة الأسئلة المعتادة والتي لا يجاب عليها بمرور الوقت ولكنها أصبحت شعار المرحلة الصباحية: لمعتي الجزمة؟ سرحتي شعرك؟ فين المفاتيح؟ تاكلو إيه النهارده؟، فاضل خمس دقايق!

    كمطاردات أحمد السقا، أتجاوز السيارات بعد إيصال بناتي للمدرسة، لأصل في موعد الاجتماع، مع محاولة التنبؤ بموقع "الرادار"، فالمرتب لا يكفي رفاهية المخالفات بعد أن "عضته" فاتورة الكهرباء دون رحمة، وأجهز عليه سعر البنزين كمصارع يكفيه "لمس أكتاف".

    يبدأ عقلي في تقسيم ذاته آلياً؛ ثلث للعمل؛ وثلث لأمور العائلة؛ وثلث لحل معادلة تقسيم طلبات ما تبقى من الشهر على ما تبقى من المرتب. وهي "فزورة" يومية يأمل فيها بإيجاد "خرم إبرة" لزيارة "للكوافير" ليغطي ما أفسده الدهر بالشيب .

    تبدأ فقرات العمل بفنجان القهوة "أبو إتنين جنيه ونص"، و"استعنا على الشقا بالله". تنقضي الساعات كلص خفيف الحركة؛ لتشعر فجأة بأن العمل لا ينتهي، وأنك "اتنشلت"! لترجئ بعض أعمال اليوم مع متأخرات الأيام السابقة إلى الغد وكأن نظرية "خد من التل يختل" لا تنطبق سوى على المال !

    أبدأ رحلة العودة التي يتخللها شراء بعض من مستلزمات المنزل؛ مكالمات تهنئة على الزواج، أو تعزية، فكلاهما قضاء وقدر! مع بعض من المكالمات العائلية التي لا تخلو من "مبتسأليش ليه يا وحشة، أو زعلانة منك، كده متحضريش سبوع حمزة!".. فصلة الرحم أصبحت مسلسلات تليفونية محسوبة الدقائق لدى الجميع كل عباراتها "من ورا القلب".

    أعود لأقل بناتي من المدرسة متأخرة في أحيان كثيرة، لتلتهمني نظرات ابنتي الغاضبة دومًا، ودمعات الصغيرة التي ظنت أنني لن أعود، وهما لا يدركان أن طريق "المحور" يعاني اضطرابات مزاجية، يُبقي جمهور السائقين كالواقفين في البرزخ منتظرين الحساب لأجل لا يعلمونه؛ راضين بالجحيم إن كانت نهايتها أسرع، أو كأرواح صالحة تقطعه في نصف ساعة!

    عود لروتين يشبه الصباحي مع تغيرات خفيفة في الأسئلة، بينما أعد الغداء: عندكوا واجب؟ خلصتوا السندويشات؟ حد عمل مشكلة النهارده؟ وإبقاء إجابتي ثابتة لأي طلب: "يوم الجمعة إن شاء الله"!

    تجيب الصغيرة على أسئلة لم أطرحها، بينما تعلم المراهقة أن الصمت أبلغ الإجابات! بينما أمني نفسي أن أبلغ من الرفاهية منتهاها، وأشاهد فيلمًا في المساء قبل أن يغالبني النوم، وأسقط فيه واقفة كالأحصنة .

    تذهب الصغيرات للنوم بينما أجاهده وأنا ممسكة "بكوباية شاي بلبن"، جالسة على الأريكة لأفتح رسائل الفيسبوك، لأجد متنوعات من رجال لا أعرفهم، وبعض- إن جاز المسمى- "معارف"؛ مرسلين إليَّ من "البر التاني" للحياة.

    "بونجور"، "طمنيني عليكي"، "ممكن نتعرف"! لأتذكر تلك المقولة الخالدة في عالم الذكور "فايزة عايزة"، والتي يطبقونها على المرأة التي لا رجل لها !

    لأستحضر يومي بما فيه، وغدي وما أحلم لتحقيقه، بينما أنظر طويلاً لصورة تجمعني ببناتي غلبت فيها صدق ضحكتنا على بؤس الواقع؛ ليغالبني شعور بالشفقة على عقليات البعض قائلة في سري: "والله فايزة مش عايزة" .