في النهاية.. لن يبقى سوى "دوت مصر" والراغبون في النجاح‎

    قلت لهم "لن يبقى إلا من صدق حلمه"، فكذبوني، بدأت الحكاية في الأول من يناير من العام الجاري ٢٠١٦ حين بدأت عملي رئيس تحرير موقع دوت مصر ودون خوض في ما اقترفه من سبقوني أوصدت الباب أمام كل زائر يبارك بالندب ويتقرب إلي بذمهم وفتحت أبواب الاستشفاء.

    حين دخلت إلى الصالة المخصصة لعمل المحررين لأول مرة حسبتها قبوًا مظلما صفت حول طاولاتها كهوف مقفرة قبع داخلها زملاء، أيقنت للوهلة الأولى أن مهمتي هي تحريرهم، لم يعلق بجدران الصالة أي آثارٍ لشغف مر بها، ولم أدرك حتى أثر انسحاب لروح كانت وغادرتها، وحده الغبار الشاهد الوحيد الباقي مما سبق، الغبار والخواء زادا لون الجدران الرمادية اتساخًا.

    إدارة الأزمة
    اجتماعات صغيرة كنت أنفرد فيها بكل قسم على حدةٍ، وسؤال ثابت أوجهه لهم، ماهي مشكلاتكم ؟ ليأتيني الرد : عددنا قليل يا أستاذة !

    في يناير ٢٠١٦، حين بدأت العمل في دوت مصر كان عدد المحررين ٢٥٠ محررًا وكان القسم الواحد يضم ما بين ١٢-٢٥ محررًا، حين واجهتهم بالأرقام كان يأتيني جوابهم بحماسة نادرة في صوت واحد ثابت لأول مرة يصيحون: مش ممكن مين دول!، وكنت أجيبهم من واقع بياناتهم، كنت أُذكرهم ببقيتهم.

    لم يكن صعبًا أن أُقر أن التقييم والنظام المحكم سيكون الحل الوحيد القادر على طرد العناصر الخاملة أو بالأقل كشفها.

    بدأ العمل وفق هيكل إداري تحريري جديد، وزملاء جدد انضموا للموجودين لم يتجاوز عددهم أصابع اليد الواحدة، دم جديد ربما يحرك بركة تيبَّست كأنها جليد.

    لا مجال للمزايدة حول تقييم المحتوى بالموقع حين استلمت تحريره، فقد كان المستوى العام الخبري تجاوز كل نقاش بعد أن حظي بحظر من محرك البحث الأشهر جوجل.

    دون أن يشعر أحد جاء حراك البركة طاردًا لأكثر من مائة محرر خلال الستة أشهر الأولى، فبنهاية شهر يونيو ٢٠١٦ ، أصبح عدد المحررين ١٣٥ محررًا فقط أغلبهم استقالوا بعد أن أدركوا أن تحصنهم بالكهوف مستحيل والبقية استبعدت وفق تقييمات مشددة.

    تحدي الثبات
    خلال اجتماعي التأسيسي بالهيكل الجديد، أخبرتهم -وكان توقعًا- أنه من المستحيل أن نستمر دون تقدم وهذا ما حدث.

    كأحد أهم متغيرات الصناعة وحكمًا بالمنطق، لا يوجد تمويل مستمر دون ضمانات للنجاح أوالتأثير، أزمة مالية تدق جرس الإنذار في منتصف يوليو الماضي ليصبح الحل الجذري ضرورة لا مهرب منها وما أدركناه منذ أشهر لم يعد بوسعنا تداركه.

    يقينا لم يكن هناك مفر من إلقاء الأحمال التي تحفظ استقرارك في القاع مع اجراء تغيرات طفيفة باختصاصات مختلفة عن التي كانت موجودة لتستكمل ادارة الأزمة بإيقاع فُرض عليك.

    أعلنت أن غالبية المستبعدين استحقوا استبعادهم وأن الأزمة عجلت الدور ليس أكثر، التزمت الشفافية فقامت الدنيا ولم تقعد.

    قرار الحسم
    كان لدي إصرار ثابت لن يتزحزح أن كل إلى ما يستحقه، لكن ذلك لم يعجب أحدًا.

    وعلى الرغم من ندرة التجارب الإعلامية الناجحة في مصر إداريًا وفنيًا، إلا أنه يستعصي على العاملين بها - إلا من رحم ربي - أن يُقر بأن للنجاح أسباب الأخذ بها واجب.

    كنت قد قررت تعويضًا للمستبعدين أسميته ترضية رفضوه في مجمله وتدخلت جماعة من نقابة الصحفيين التي أجل قدرها ومكانتها أرادوا أن يديروا الأزمة وفق النظرية التي شاعت في مصر في السنوات القليلة الماضية، وهي الحرص على سلامة الخاطفين والمخطوفين على حد سواء ولما كان ذلك يعارض ما قررته كان الشكر لهم واجب، وانتهت الأزمة برعاية وكيل أول مجلس النقابة الموقرة خالد الميري الذي استطاع أن يُنهي التسوية وفق ما قررته إدارة دوت مصر سلفًا ويسدل الستار مشكوًرا بحكمة.

    لم أكن أريد أن أكون إلا وفية لمبادئي مخلصة لحلمي ويقيني بالحق.

    شواهد ما بعدد المرور
    حين دعم ياسر سليم، ترشحي لرئاسة تحرير دوت مصر، ووقف سدًا منيعًا أمام الحملات التي كانت تروج لعدم استحقاقي والتي وبالمناسبة كانت من زملاء المهنة، واستخرت الله وقبلت وبدأت طريقي بدعمه الكامل الذي لن أنساه ما حييت تسابق الزملاء للمباركة والدعم - لا تثمن يدًا صفقت لك بعد الوصول- وحين خضت معركتي الأخيرة كان ياسر سليم داعمًا ناصحًا مهتمًا بأن لا يتحول ثباتي لأزمة تعرقلني، وانسحب كل من باركوا وساندوا، وقفوا إلى جانب القطيع في انتظار إشارة النصر ليرددوا نعم تستحقين !

    كانت لي صديقة منذ سنوات عملنا معًا عامًا وأكثر لوجه وطننا الحبيب ودون مقابل كانت تعلم كم أجل العمل حد العبادة وأحب الوطن حد العشق، اكتفت برسالة لن يقرأها غيري "خلي بالك من نفسك".

    والأكثر طرافة من أي شيء قرأته هو تهكم وانتقادات طالتنا من أسماء بعينها كان لها حظ وافر بالعمل بدوت مصر ولم يتركوا أثرًا غير الجدران المتسخة.

    وكثيرون ممن كنت في وقت مضى معلمتهم وداعمتهم على حد وصفهم في مراحل البحث والتخبط، وقفوا على خط المنتصف الذي أمقته وبعضهم جار إلى الخذلان الكامل ترضية لثقافة القطيع وخوفًا من الخروج عليهم.

    السكوت عن الحق يورط الجماعة، هكذا خلص كثيرٌ من المستبعدين بعد أن أدركوا تلاعبًا بهم.

    لم أغلق بابي أمام أيٍ من المستبعدين لكن المجموعة القليلة الراعية للاعتصام أراد كل منهم الزعامة لنفسه ورغم أن الاستبعاد وقع في ١٩ من يوليو الماضي وبدأت صرف التعويضات مع راتب يوليو في ٣١ من الشهر نفسه إلا أن هدفي الأسمى كان تفويت فرصة الزعامة الكاذبة عليهم، وهو الأمر الذي استفزهم حتى ركضوا وراء كل مؤسسة محتملة توافق على نشر بياناتهم.

    تعد دوت مصر هي المؤسسة الإلكترونية الأولى التي تعوض جميع المستبعدين من غير المعينين وتنهي الوفاء بالالتزام المادي خلال عشرين يومًا من قرار الاستبعاد، لكن الأرقام لا تجد طريقها للندابين من أنصار القهر.

    بادرت مؤسسات وجهات معنية نشر بيانات صادرة عن أفراد من المستبعدين دون التأكد من تمثيلهم للجميع ودون سؤالنا، وتعمدت بعض المواقع الزميلة من متابعة أخبار مضللة ونشرها وتجاهل أي بيانات أو أرقام تحفظ حق المؤسسة بعد سدادها كامل الالتزامات بمواعيد ناجزة

    إحدى الهيئات المعنية ذات الطابع الدولي أصدرت بيانًا شديدًا بحقنا حمل تصريحًا من رئيسهم وحين خاطبناهم بحق الرد ارتبك ممثلهم القابع في بروكسيل وارتبكت إدارتهم ثم اختفوا كأنهم لم يكونوا- لدينا بينهم مكاتبات تفضح زيف مهنيتهم هم أيضًا.

    لا أشعر بغيرة على مهنتنا أكثر من تلك التي تجتاحني حين يتمنى الواعدون العمل بمؤسسات محترفة أجنبية ولن يثنيني عن تحقيق الحلم حتى معارضتهم هم وكونهم أحيانًا كثيرة الجزء الأعظم من العقبة بعد أن آمنوا قهرًا بأن التقدم لا يليق بمصريتهم وبأن الاحتراف حليف للأجانب فقط.