الاستيلاء على أراضي الدولة.. كيف تحرق قلب الزبون؟

    "الاستيلاء على أراضي الدولة، ووضع اليد عليها غير مقبول. هي مش طابونة". قالها الرئيس عبد الفتاح السيسي، خلال فعاليات افتتاح عدد من المشرعات التنموية في قنا وبعض محافظات الصعيد، الأسبوع الماضي. مبديًا استياءه من الذين استولوا على أكثر من 100 ألف فدان، بينها 8 أفدنة فقط تم استزراعها .

    الانفعال كان واضحًا جليًا على وجه الرئيس، وفي نبرة صوته، وهو يوجه حديثه لهؤلاء، قائلًا بحزم وحسم: "مش هنسمح بوضع إيد مرة تانية على أراضي الدولة.. هي مش طابونة.. مش من حقي أديك أي حتة مش بتاعتك، إللي عايز يدفع حق الدولة أهلًا وسهلًا.. محدش ياخد حاجة مش بتاعته".

    السيسي كلف بتشكيل لجنة للتعامل مع هذه التعديات، وأن تكون على مستوى مجلس الوزراء، وتضم ممثلين من الرقابة الإدارية والمحافظين ومديري الأمن وقادة الجيوش والمناطق.

    كما كلف الجيش والشرطة بإنهاء التعديات على أراضي الدولة، في مدة أقصاها نهاية شهر مايو الجاري، قائلًا: "خلال آخر الشهر آخد تمام إن الوضع ده خلص، وأي حد يقف أمام القانون والدولة يبقى مش واخد باله، وعلى المحكمة على طول".

    والحقيقة أن قوات الجيش والشرطة، منذ كلفهما الرئيس بهذه المهمة، وهما يؤديان دورها على أكمل وجه، وبهمة ونشاط يثبتان أننا نستطيع إرساء دولة القانون. ونجحا في إعادة ملايين الأمتار المربعة من الأراضي المستولى عليها إلى حضن الدولة.

    لكن ما آلمني- ولا يزال يؤلمني- رؤية اللوادر والجرافات وهي تقتلع الأشجار، وتسوي المباني- التي تكلفت ملايين الجنيهات- بالأرض. لماذا؟ لأننا تجاهلنا الحل الأمثل، من وجهة نظري، وهو البحث عن الاستفادة من الأشجار والمباني المقامة على أراض الدولة، بدلًا من اللجوء إلى الحل الأسهل، وهو التجريف والهدم.

    إننا إذا كنا نريد معاقبة المستولين على أراضي الدولة، وبنائهم عليها دون وجه حق، فأرى أن أفضل وسيلة لردع هؤلاء وأمثالهم من الذين يفكرون في أن يحذوا حذوهم، هي "حرق قلبهم" بإبقاء المباني التي أنشأوها كما هي، وانتزاعها منهم بالقوة، ونقل ملكيتها إلى الدولة مباشرة بدلًا من هدمها وتجريفها، دون الاستفادة منها، إضافة إلى تكلفة تطهير مخلفاتها؛ لإعادة تعميرها من جديد.

    فإذا ما فعلنا ذلك نكون قد ضربنا عصفورين بحجر واحد؛ أولًا: عاقبنا المعتدي، الذي دفع من ماله الخاص لإنشاء هذه المباني. وثانيًا: نأتي بأسرة فقيرة، أو بعدة أسر من المستحقة لوحدة سكنية، ونملكها هذه الوحدات. وبذلك نرفع عن كاهل عبء بناء وحدات سكنية إضافية.

    والمار بالطرق يجد العجب العجاب. مبانٍ مخالفة كانت مُقامة على أرض زراعية وتم هدمها منذ سنوات، وحتى الآن لا نجحنا في استعادة خصوبتها، وإعادتها من جديد للزراعة، ولا تركنا المباني لاستغلالها لصالح الغير.

    وأخشى ما أخشاه أن نتجاوز عند التنفيذ، و"ناخد العاطل في الباطل"، وتتجاوز في حق مَنْ لهم حق، كأولئك الذين حصلوا على موافقات مع عدة وزارات على تملكهم بضعة أفدنة، ثم أصابهم قرار الإزالة.

    لقد نصت المادة (82) من قانون المرافعات، والخاصة بتنفيذ الأحكام المدنية والتجارية، على أنه "لا يجوز التنفيذ الجبري إلا لسند تنفيذي، وهو أحكام المحاكم والأوامر والمحررات الموثقة، ومحاضر الصلح التي تصدق عليها المحاكم".

    وأكد المشرع في المادة 281 مرافعات، على وجوب أن يسبق التنفيذ الإعلان بالسند التنفيذي.. والتنفيذ يجري تحت إشراف قاضي التنفيذ، ويعاونه عدد كافٍ من المحضرين، ويفصل في جميع منازعات التنفيذ أيا كانت قيمتها. كما يختص بإصدار الأوامر المتعلقة بالتنفيذ. لكن الإشكال الأول يوقف التنفيذ طبقا للمادة 312 مرافعات.

    إن قرار الرئيس صائب لا محالة. وربما تأخر سنوات وسنوات؛ حتى صار التعدي على أملاك الدولة قاعدة راسخة. لكن في المقابل فإن السيسي قال "نفذوا"، ولم يَقُلْ "اخربوا بيوت الناس". فهل تصل رسالة الرئيس إلى المسؤولين عن التنفيذ؟