"أقباط العريش".. الحكاية فيها إنَّ!

    الجالسون على مقاهي وسط البلد، أو على كراسيهم الوثيرة في المكاتب الممولة، لن تستهويهم نظرية المؤامرة، التي تتعرض لها مصر بمسلميها قبل مسيحييها، وسوف يصبون لعناتهم على الرئيس، والجيش، والشرطة.. ويتهمونهم بالتقصير في حماية "الأقليات"، ويؤلبون المنظمات الأجنبية على الدولة المصرية.

    الكلامنجية والمُنظِّرون في وسائل الإعلام لن يتحدثوا عن اللعب بورقة "الفتنة الطائفية" في أزمة "أقباط العريش".. ستجدهم يتحدثون عن حلول براقة، صالحة للتطبيق على الورق، وعلى شاشات الفضائيات، وفي برنامج "شكر الله سعيكم"!

    المتفرجون في المقصورة الرئيسية، سيتحدثون بالشوكة والسكينة، وسوف يكون كلامهم كالأكل المسلوق، صحي لكن طعمه "ماسخ"، ولا يصلح إلا لـ"مرضى القرحة" وفئة "الكرافتات الشيك"!

    أما اللاعبون المخلصون في أرض الملعب، وأيديهم في النار، وليست في الماء البارد، فمن المؤكد أنهم يرون الصورة بكافة أبعادها، ولن يتوقفوا عن بذل أرواحهم ودمائهم، والوقوف مع الدولة في حربها "القذرة" ضد الإرهاب، وضد كل مَنْ يحاول النيل منها، وشق وحدة صفها.

    الحرب على الإرهاب أقذر وأصعب أنواع الحروب. تلك حقيقة لا تقبل التشكيك.. فقوات الجيش والشرطة تحارب أشباحًا، لا تتحرك وفق خطة محددة، وأماكن متعارف عليها، بل بجنون وعشوائية ورعونة. ولِمَ لا وليس لديها ما تبكي عليه.

    ربما تغير التنظيمات الإرهابية استراتيجيتها كل فترة، وكل أسبوع، كل يوم، كل ساعة، بل ربما كل دقيقة؛ وفقًا للمستجدات على الأرض؛ وحسب قوة الطرف الذي يحاربونه، مثلما يفعل الإرهابيون الذين تكبدوا خسائر فادحة في الأرواح والمعدات على يد قواتنا.

    وما من شك فإن استهداف هذه التنظيمات لأشخاص في شمال سيناء بناءً على ديانتهم ومعتقدهم يعتبر نقلة نوعية، وأمرًا مستجدًا في استراتيجية الإرهابيين، بعد أن كانوا يستهدفون رجال الجيش والشرطة، أو المتعاونين معهم.

    لكن ما تفسير هذا التغير في استراتيجية الإرهابيين؟ وما دلالة استهدافهم لـ"أقباط العريش"؟

    التفسير الأقرب للمنطق والواقع يقول إن استهداف "مسيحي الشرق" جزء لا يتجزأ من الخطة والمؤامرة التي يسعى "مسيحيو الغرب" لتنفيذها في الشرق الأوسط. وهي بالمناسبة خطة "مُعلنة"، وليست سرية.

    الهدف مما حدث لـ"أقباط العريش"، وإجبار بعضهم على النزوح إلى الإسماعيلية، تحت وطأة التهديد بالقتل والحرق، هو خلق "فتنة طائفية" جديدة، وتأليب المسيحيين على الدولة، في محاولة لتقويض أهم أركانها، بعد أن خاب مسعى المتآمرون في تفتيت مصر عقب ثورة 25 يناير.

    وليس بخافٍ على أحد أن تنظيم "داعش" الإرهابي هو "يد مسيحي الغرب" التي يستخدمها لتصفية "مسيحي الشرق"، وعلى غرار الصراع المذهبي في أوروبا في القرون الوسطى، واستمر قرابة 30 عاما بين المسيحيين الغربيين والشرقيين.. والمؤكد أن هذا الصراع مستمر حتى الآن، لكن برداء آخر غير الذي كان يتدثر به في الماضي.

    لقد استهدف تنظيم "داعش" الإرهابي المسيحيين في العديد من المدن العراقية والسورية.. رأينا هذا التنظيم الوحشي يقتلهم، ويحرقهم ويدمر حضارتهم في سنجار، وتدمر وغيرهما.. رأيناه يقتل المئات، ويشرد الآلاف، ويجبرهم "قسرًا" على ترك ديارهم ووطنهم، وإعلان دولة الخلافة المزعومة في الرقة.. كل ذلك يقابله صمت دولي "مخزٍ"، لا مبرر له سوى "مباركة جرائم داعش"؛ لأن التنظيم هو أداة الغرب التي يبطش بها في الشرق؛ لنهب ثرواته، وتحقيق مخططاته الاستيطانية.

    أيضًا، ليس من المستبعد ضلوع إسرائيل وراء ما يحدث لـ"أقباط العريش"، ووجود رابط بين هذا المخطط الغربي وبين إقامة الدولة اليهودية.. فرئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، أعلن خلال لقائه بالرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، عن بدء الحوار مع الفلسطينيين شريطة الاعتراف بيهودية الدولة الصهيونية!

    هنا مربط الفرس، فهذا هو أساس المخطط؛ فتنظيم "داعش" الإرهابي يتحرك على استحياء في سيناء، ويعلن عن نفسه بقوة قرب الحدود السعودية في العراق وشمال سوريا، ويتمدد في المناطق التي تشكل "دولة إسرائيل الكبرى"، وهو ما يتوافق مع تصريحات نتنياهو عن "يهودية الدولة".

    فهل تمدد التنظيمات الإرهابية في سيناء في نفس المناطق التي اقترحتها إسرائيل لتبادل الأراضي مع مصر لإقامة الدولة الفلسطينية في سيناء مجرد مصادفة؟

    ظني أن الأمر يتجاوز "الصدفة"، بل وافتراض "حسن النية"، فاستبعاد أي فرضية ليس من السياسة في شيء.. ففي العام 2009 اقترح الرئيس السابق لمجلس الأمن القومي الإسرائيلي، الجنرال جيورا إيلاند، تصورًا لإقامة الدولة الفلسطينية، بمضاعفة مساحة غزة مرتين أو ثلاث مرات، بضم 600 كيلو متر مربع من سيناء إلى القطاع.. وهو ما رفضه الرئيس الأسبق حسني مبارك.. فهل تسعى تل أبيب لتنفيذ مخططها الصهيوني لقيام مملكة إسرائيل الكبرى، بيد أبنائها الإرهابيين في سيناء؟!