توصيات المجلس الاعلى للشئون الإسلامية

    تحاول القيادة السياسية فى جمهورية مصر العربية جاهدة توحيد ورأب صدع الجبهة الداخلية المصرية، عبر دعم قيم المواطنة والعيش المتشترك بين أبناء الوطن على إختلاف هوياتهم الدينية، ومؤخرا بات من الواضح إن الدولة تغيّر النهج الذى تعاملت به على مدار سنوات طويلة مع الفتن الطائفية التى تحاول الجماعات المتطرفة إثارتها بين الحين والحين، هذه الفتن التي طالما تعاملت معها الأجهزة الحكومية وفق منطق التغافل، متجاهلة حقيقة أن كافة بلدان المنطقة تعرضت على مدار سنوات إلى خطة خبيثة لزرع أشواك الفتنة الطائفية والتطرّف.

    من هنا جاءت أهمية مراجعة التوصيات التى صدرت مؤخرا عن مؤتمر المجلس الأعلى للشئون الإسلامية السابع والعشرين والذى عقد تحت عنوان: " دور القادة وصانعى القرار فى نشر ثقافة السلام ومواجهة الإرهاب والتحديات "، والذي إنتهى المشاركون إلى سبعة عشر توصية مهمة، أبرزها كان حول ضرورة التحول من ردّ الفعل إلى الفعل، والعمل على نشر ثقافة السلام والتركيز على المشتركات الإنسانية والقواسم المشتركة بين الأديان فى الخطاب الدينى والثقافى والتربوى والإعلامى والعمل من خلال المؤسسات الدولية على تجريم التمييز بسبب الدين أو الإقصاء الدينى دون استثناء مع التأكيد على عدم ربط الإرهاب بالأديان التى هى منه براء، وبيان أن ربط الإرهاب بالأديان ظُلم فادح لها، ويُدْخِلُ العالم فى دوائر صراع لا تنتهى ولا تبقى ولا تذر، وترسيخ أسس المواطنة المتكافئة فى الحقوق والواجبات على أرضية إنسانية ووطنية مشتركة، وتعميق الانتماء الوطنى لدى أبناء الوطن جميعًا، وترقية الشعور الإنسانى وترسيخ أسس التعايش السلمى بين الناس جميعًا والإيمان بالتنوع واحترام المختلف فى الدين أو اللون أو الجنس، والعمل معًا لصالح الأوطان والإنسان وقيام العلماء المتخصصين بتصحيح المفاهيم الخاطئة والفهم الخاطئ للآيات والأحاديث التى يستخدمها الإرهابيون فى تبرير التطرف والإرهاب أو التنظير لهما، بما يكشف المفهوم الصحيح لها، مع الإهتمام بدور المرأة فى العمل الدعوى والثقافى والإعلامى والأكاديمى لما لها من دور بارز وأثر واضح فى كل هذه المجالات وبخاصة فى مجال تربية النشء وتنشئته على القيم الإيجابية والأخلاقية والسلوكية والوطنية، ورفع كفاءة الإعلام الوطنى فى جميع الدول المؤمنة بالسلام بما يجعله قادرًا على مواجهة إعلام الجماعات المتطرفة، خاصة الإعلام الرقمى مع وضع استراتيجية إعلامية واضحة ومركزة لنشر ثقافة السلام وتنمية الحس الوطنى والإنسانى وتصحيح المفاهيم الخاطئة.

    ولعل هذه التوصيات قد جاءت ليعي الجميع أن الدولة المصرية قد أخذت على عاتقها عبء مواجهة الأزمة الأخطر فى العالم، وهى إنتشار ثقافة الإرهاب بكل ما تحمله من تعقيدات اللبس بين التدين والتطرف، وتشويه الصورة الذهنية للإسلام وربطها بثقافة العنف والإرهاب ولفظ الآخر، ومن جهة أخرى مواجهة ظاهرة " الإسلاموفوبيا " التى إنتشرت فى الغرب وصارت تصم الإسلام كفكرة من حيث المبدأ.

    ولاشك أن هذه التوصيات تؤكد أن جمهورية مصر العربية باتت تأخذ معركة تجديد الخطاب الديني على عاتقها، وليس على مستوى الجبهة الداخلية فقط، بل على مستوى العالم، والمنطقة تحديدا، وهو أمر فى غاية الأهمية والخطورة، فقد أثبتت السنوات أن المبادرات المنفردة والمتباعدة هى سر فشل كافة النقاشات حول فكرة تجديد الخطاب الديني، وللأسف عانت نقاشات تجديد الخطاب الدينى من الدوران فى حلقة مفرغة طوال سنوات عديدة، ولم تنتج نهجا واضحا ومؤثرا، ولم تنتقل بأى صورة من الصور إلى حيز التطبيق، ناهيكم عن المعارضة الصريحة لهذا التوجه الذى يتبناه البعض ويحاول إستغلال ثقافة البسطاء وإيهامهم بأن هذا التوجه المقصود به تغيير قناعات المسلمين الإيمانية وتشويه الدين بل والتخلى عن أسسه.

    إن الدولة عازمة على مجابهة الفكر المتطرف، وتحاول بشتى الطرق التصدى له، لكن وبما أن المعركة معرفية بالأساس، فإن أجهزة إنتاج المعرفة سواء الحكومية والخاصة تحتاج إلى التراص والتوحد وتبنى فكرة تجديد الخطاب الدينى ونقلها إلى حيز التنفيذ، وكفانا تنظيرا وتوصيات مجردة وبعيدة عما يدور فى أرض الواقع، ومن ثم لا ألوم أصحاب هذه المبادرة أو غيرهم، فأنا أعلم جيدا أن الأمر شديد التعقيد والحساسية والخطورة بما فيه الكفاية، وأن كل ما بذل من مجهود وإجتهادات ولقاءات لم يكن كافيا لفض هذا الإشتباك، والأهم من ذلك أن الجهود لم تعد قاصرة على الجهات الحكومية والهيئات الدينية الرسمية، بل إن أغلبها بات رهنا للقنوات الجديدة والتى يستقى منها المواطنين معارفهم الدينية، ومع ذلك لم تتوقف جمهورية مصر العربية عن المحاولة والنقاش ودعم كافة المبادرات المنضبطة التى ترمى إلى نفس الفكرة، لأن الدولة تعى أن إنحسار هذه المبادرات هى مكمن الحل لأزمة التعايش والتسامح وقبول الأخر، وهى المحور الأهم فى تدعيم الجبهة الداخلية ليكون الشعب المصرى قادرا على مواجهة النبت الخبيث والأفكار الهدامة.