حكايات إخوانية| أموال بلا صاحب

    يعد تمويل الإخوان وأنشطتها المالية من أكثر المسائل غموضا، حيث حرصت الجماعة منذ لحظات صدامها المبكر مع الدولة المصرية، على وضع ستار كثيف من السرية على أموالها باعتبار المال عصب الحركات والجماعات السياسية.

    حددت لائحة الجماعة مصادر تمويلها في ثلاثة مصادر: الأول اشتراكات الأعضاء التي تترواح بين 5 و7% من إجمالي دخلهم الشهري. والثاني، تبرعات رجال الأعمال المحسوبين على الجماعة.

    والمصدر الثالث، وهو الأهم، عوائد استثمارات ومشروعات التنظيم، حيث الاحتفاظ بمحفظة مالية واستثمارية ضخمة لا يعرف أسرارها سوى خيرت الشاطر، النائب الأول للجماعة والمرشد الفعلي للجماعة، إضافة إلى ستة أشخاص آخرين من أعضاء اللجنة المالية الموزعين على قارات العالم.

    لعلكم تذكرون الوعود الانتخابية التي كان يرددها خيرت الشاطر في مؤتمراته قبل استبعاده من الترشح لرئاسة الجمهورية بمعرفة اللجنة العليا للانتخابات، والتي تحدث في بعضها عن توفير تمويل ضخم لما سمي بمشروع النهضة، حيث وعد بتدفق 200 مليار دولار على مصر كاستثمارات، ولم يدخل منها فعليا دولار واحد، حتى إن أبرز رجال أعمال الجماعة وهو يوسف ندا حاول المهندس حسب الله الكفراوى إقناعه بالعودة إلى مصر بعد الثورة، واستثمار أمواله فيها، لكنه رفض.

    لم يتخل رجال المال داخل الجماعة عن تحفظهم تجاه مصر، وأحجموا عن توطين أموالهم واستثماراتهم فيها، إلا بضعة أشخاص كحسن مالك، وعبد العظيم لقمة، وعبد الرحمن سعودي. وهؤلاء أموالهم بالأساس نتاج تراكم قديم لأسرهم، ولم تكن من واجهات الجماعة، التي حرصت على أن تبقى أموالها في ملاذات آمنه مثل مناطق الأوف شور، ومناطق الاستثمار في ماليزيا وشرق أسيا وأوروبا، وخصوصا سويسرا.

    قفز موضوع تمويل الجماعة إلى الواجهة من جديد ليس على خلفية الأرقام المعلنة من قبل لجنة قضائية تحفظت على ما أدركته من أموال الجماعة في مصر، وهى أقرب إلى قمة جبل جليد لا تظهر سوى قمته، بل أثير الموضوع على خلفية تعرض بعض القيادات لعملية نصب من قبل رجل أعمال يمنى، حيث تعرض فرع الجماعة في لندن التي تعد أحد أهم مراكز الحركة الدولية للجماعة سواء على مستوى التمويل أو الدعم الإعلامي أو قيادة التنظيم في الخارج.

    المبلغ الذي تردد الحديث عنه يصل إلى ملياري جنيه إسترليني، أي ما يقرب من 40 مليار جنيه مصري، وهو رقم ضخم، إذا صح فيعنى أن الجماعة لازالت تحظى بدعم بريطاني، وانتقال حركة أموالها مجددا من أمريكا إلى لندن، خصوصا مع بداية ولاية ترامب الذى يبدو حاسما في العداء مع الجماعة والسعي لإعلانها تنظيم إرهابي، وبالتالي تضييق حركتها انطلاقا من واشنطن.

    لا توجد في الجماعة سجلات رسمية لعدد الأعضاء، ولا آلية للرقابة على جمع الأموال وإنفاقها، وبالتالي تبقى مسألة إدارة تلك الأموال سرا ولغزا كبيرًا؛ لذلك لم يكن غريبا أن تزول الحدود بين أموال الجماعة وأشخاص يديرون محافظها المالية أو سجلت أصول الجماعة باسمهم.

    وهناك حكاية شائعة عن عضو مكتب إرشاد سجلت باسمه مدارس تابعة للجماعة بالإسكندرية، وعندما قامت ثورة يناير سعت اللجنة المالية لنقل ملكية المدرسة لآخرين فرفض قبل أن تتعهد الجماعة بإعطائه معاشا شهريا مدى الحياة هو وأبنائه. وهذا الشخص كان مرشحا لخلافة المرشد مهدي عاكف، قبل استبعاده من قبل رئيس اللجنة المالية خيرت الشاطر، الذي قال بوضوح أنه ليس لديه ورع في الأمور المالية، وهو التعبير المخفف الذى يعنى السرقة واختلاس أموال الجماعة.

    بطبيعة الحال في ظل غياب أي صيغة رسمية أو أهلية للرقابة على تلك الأموال، فلا مجال للحديث عن ورع خصوصا إذا كان الحديث عن أموال بالمليارات.

    المؤكد الآن أن صندوق أسرار الإخوان أصبح ملقى في عرض الطريق، خصوصا بعد الانقسام التنظيمي الذي ضرب التنظيم، ولن تكون أسرار الجماعة المالية آخر الأسرار التي ستكشف، قبل أن تلفظ الجماعة أنفاسها بعد كل هذه الفضائح.