حكايات إخوانية| الإخوان والأزهر

    قد يتصور كثير من الناس أن علاقة الإخوان بالأزهر جيدة، على اعتبار أن الجماعة- كما كانت تدعي- جماعة دينية معنية بالدعوة للقيم ولمكارم الأخلاق، خصوصا وأن دعايتها تمضي في سبيل تعزيز هذا الادعاء بلحن القول وزخرفه، وبالتالي لابد أن تلتقي جهودها مع جهود الأزهر الذي يضطلع بمهمة الدعوة هو والأوقاف.

    لكن الحقيقة فإن الإخوان لا يعادون مؤسسة كما يعادون الأزهر؛ لأن خطابهم الذي يدعي الصلة بعلوم الشرع لا ينطلي على العلماء الراسخين في تلك المؤسسة.

    ولعل البعض لا يدرك أن تحصين منصب شيخ الأزهر من العزل وضرورة اختياره بالانتخاب من هيئة كبار العلماء، كان بالأساس قطعا لطريق الإخوان نحو المنصب، حيث كانت تدابير الجماعة تمضي في اتجاه تعديل تشريعي يسمح بأن يعين الرئيس شيخ الأزهر، وبالتالي تحصل الجماعة على المنصب لتجتمع لها هيبة الإمام الأكبر مع سلطة الرئاسة والحكم، ومن ثم يصبح المجتمع المصري طوع بنانها، ويمضي مخطط الأخونة إلى نهايته.

    يخطئ البعض أيضا حين يتصورون أن عداء الأزهر للإخوان بدأ فور وصولهم للحكم، أو في مواجهة صعودهم السياسي قبل أو بعد ثورة 25 يناير، فمنذ نشأة الإخوان في العام 1928 انتبه علماء وشيوخ الأزهر لخطر تلك الجماعة على سلام واستقرار مصر في كافة شؤونها، فكان بيان هيئة كبار العلماء في الخمسينات والذي أكد أن الجماعة سلكت غير ما رسم القرآن وتآمرت على قتل الأبرياء وترويع الآمنين واغتيال المجاهدين.

    أما الشيخ المراغي فقال بوضوح لقد أحلت الجماعة لنفسها الفتوى في الدين، وسعت إلى أن تكون بديلة للأزهر ولابد من حلها.

    الشيخ أحمد محمد شاكر، وقد هاله في الأربعينات اغتيال الجماعة لرئيس الوزراء النقراشي باشا، وصف الإخوان بأنهم روعوا العالم العربي والإسلامي من أقصاه إلى أقصاه.

    أما الشيخ محمد الغزالي الذي روجت الجماعة أنه ظل من أعضائها حتى وفاته، قال فيهم: "سياسة الخوارج تجددت على يد شباب الإخوان".

    حتى شيخ حسن البنا، عبد الوهاب الحصافي، قال البنا تلميذي ونصحته بعدم تأسيس الجماعة. وكذلك نصحه الشيخ الحافظ التيجاني بالابتعاد عن السياسة.

    ووصفهم الشيخ الشعرواي بقوله: "ليست جماعة دينية، وإنما سياسية، وأغلبية، وأقلية، وطموح للحكم".

    أما الشيخ الأزهري معوض إبراهيم فقال فيهم: "أكلوا الثمرة، وهزوا الشجرة، ولم يتركوا فيها شيئا مثمرا".

    تأملوا هذه الشهادات ستجدونها من عدول ليس من بينهم واحد ممن شهدوا مساخر حكم الإخوان عبر عام أو مساخرهم بعد خروجهم من الحكم.

    إن سر حقد الجماعة على الأزهر أنه وحده بما يملكه من فقه ورسوخ في علوم الشريعة في منعة من التأثر بأفكارهم أو تبنى أطروحاتهم. وكان لافتا أنهم حتى في أزهى عصورهم وصعودهم من النادر أن يلتحق بهم أعلام الفقه والشريعة كالمراغي، ومحمد أبو زهرة، والشيخ دراز، أو حتى المتقدمين أمثال شيخ الأزهر الراحل جاد الحق علي جاد الحق، الذي قال في الإخوان "ساروا على طريق الانحراف".

    هل بقي بعد كلام هؤلاء الأعلام قول؟

    كما يقولون لا يفل الحديد إلا الحديد، فالبيانات السياسية في مواجهة الجماعة لا تسمن ولا تغنى من جوع.. انشروا فقط تلك المؤلفات التي سطرها هؤلاء الأعلام، وفندوا فيها مقولات البنا أو أساطير سيد قطب.

    قد يظن البعض أن الأزهر لم يضرب بسهم في مواجهة تلك الجماعة، لكن الحقيقة فإن الأزهر قبل اختراقه من تلك التيارات أدى واجبه في عقود سابقة، وأعلن الكلمة الفصل في مواجهة أفكارها وأطروحاتها بشكل لا يحتمل اللبس أو التأويل.

    سيبقى الأزهر قلعة العلم الشريف بعد أن يتخلص من قيوده ويطهر صفوفه من عملاء تلك الكيانات الحركية، التي تجعله لا يصدع بما قال به الأعلام الأوائل من أبنائه وشيوخه وعلمائه .