حكايات إخوانية| الإخوان والمرأة

    لا تنتهي مشاهد انتهازية الإخوان أبدا، حتى في علاقة الجماعة مع المرأة التي تذكر حسن البنا، أنها نصف المجتمع وأنها طاقة يجب أن يستفيد منها بعد خمس أعوام فقط من تأسيس الجماعة، فأقدم في العام 1933 على تأسيس ما سمى بفرقة الأخوات المسلمات، والتي كان الباعث الرئيس على تأسيسها مزاحمة حركة النهضة الوطنية النسائية، التي كانت قد انطلقت وحفرت لها موطأ قدم منذ ثورة 1919.

    حيث خرجت المرأة المصرية لتزاحم الرجل كتفا بكتف في المطالبة بالحرية والإستقلال، وبطبيعة الحال عندما فتش حسن البنا داخل التنظيم لم يجد شخصية تصلح لتقود عملاً من هذا النوع، فاستقطب السيدة لبيبة أحمد التي كانت رئيسة تحرير مجلة النهضة النسائية، حاول من خلال هذا القسم اشغال نساء الإخوان بالأساس بأعمال هامشية، ليقطع عليهم طريق الاتصال بحركات النهضة والتحرير، التي كانت قد انطلقت بكتابات قاسم أمين التنويرية.

    وبعد مرور أكثر من عشرة أعوام زهدت السيدة لبيبة أحمد فى العمل مع الإخوان، ربما بسبب تحول الجماعة للعمل السياسي وسافرت إلى الحجاز؛ لتعيش هناك حتى وفاتها ،بينما تحولت الفرقة إلى قسم الأخوات بالجماعة، وعين حسن البنا سكرتيره العام محمود الجوهري، الذي تقيد برؤية البنا للمرأة حيث كان يرى أن مكانها هو البيت، كما لا يرى أن تتعلم من العلم سوى فنون الطبخ والعناية بالمنزل وتربية الأطفال.

    حافظ البنا على هذا النمط حتى مل الجوهري من رئاسته لهذا القسم بعد وقت قليل، فذهب ليستقيل من هذه المهمة، فكتب البنا في ورقة الإستقالة، كلمات قليلة هي: "الجوهري رئيسًا لقسم الأخوات حتى الممات"، فظل الجوهري رئيسا لهذا القسم لخمسة عقود حتى وفاته، اللافت أن الرجل الذى كان مسؤولا هو وزوجته عن نساء الإخوان أصبح نجله الأكبر أستاذًا في علم الإجتماع معاديًا لفكرة الإخوان بشكل جذري، ومن منطلق علمي وحياتي ينطلق من تجربته، وهو الذى عاين تلك التجربة المثيرة التى إحتضنتها جدران بيت أسرته

    تعامل الإخوان بانتهازية شديدة مع المرأة التى بذلت كل ما تملك فى سبيل دعم الفكرة والتنظيم، فهي التي كانت تتحرك في الأسواق والشوارع؛ لتباشر الدعاية للتنظيم ولمرشحيه في الإنتخابات، وهي التي تحملت ثمن أفعال الرجال في بيتها وأسرتها، وهي التي تحولت إلى وسيلة إعلام للجماعة ساهمت فى صعودها السياسى فى كل المراحل، لكنها كانت دائما كطابور تعبوى تستدعيه الجماعة عند الحاجة حتى تبلغ الجماعة مرادها فتأمرهن من جديد أن يلزمن بيوتهن.

    ورغم هذا الجهد الضخم والتجرد والتضحية، لم تحظى نساء الجماعة أبدا بحقهن فى المشاركة في إختيار هياكل التنظيم أو قيادة شعبة أو حتى عضوية مجلس إدارة أصغر وحدة أو قسم، ولك أن تتخيل عزيزي القارىء أن تصنيف العضوية فى الجماعة بالترتيب التالى (أ ، ب ، ج) بينما عضوية المرأة يعبر عنها بالحرف (د) أي أدنى درجة فى سلم العضوية.

    حتى من دخل البرلمان من نساء الإخوان كانت إما زوجة قيادي أو شقيقته أو ابنته، وعندما أدخلت إمرأة بالتعيين في المكتب التنفيذي لحزب الحرية والعدالة كانت زوجة لعضو مكتب إرشاد، وكان الهدف فقط هو إحكام سيطرة التيار القطبي على المكتب التنفيذى وضمان وجود شخص ينقل الأخبار لهم.

    لاتختلف إنتهازية الجماعة في علاقتها مع المرأة عن إنتهازيتها مع كل شرائح المجتمع وقواه السياسية، فالغاية لديها تبرر الوسيلة على طريقة ميكافيللى؛ فكلما استخدمت الجماعة الأطفال في رابعة وغيرها، استخدمت المرأة فى صناعة المظلومية التي اعتمدت عليها سبيلا وحيدا لتعويمها من جديد، بعد أن تجسد فشلها فى كل الساحات بالشكل الذى إطلع عليه الجميع.

    لازلت أذكر حكاية أخت شكت من مسؤول شعبتها الذي ذهبت إليه وهي مفعمة بالنشاط ولديها أفكار ومشروعات، أخذت في عرضها بحماسة عليه، فقال لها بحسم "إنتوا بس إكفونا شركم واقعدوا إقرأوا ربعين قرأن"، كانت تلك الجملة مع تولية مسؤول إخواني لقسم المرأة لخمسة عقود إشارات صريحة ودالة، تشرح كيف ينظر الإخوان للمرأة باعتبارها مشكلة وليست شريكًا في التكليف والإستخلاف، في قفز واضح على الخطاب القرأنى وحديث الرسول الذى عبر عن دور النساء ومكانتهن بقوله صلى الله عليه وسلم: "النساء شقائق الرجال"، لكن كان للجماعة دومًا رأي أخر في ذلك كما رأينا.