التوقيت الثلاثاء، 18 سبتمبر 2018
التوقيت 09:36 م , بتوقيت القاهرة

توبة محمد صلاح واعتزاله كرة القدم

محمد صلاح
«لا تفتح هذا الباب، فالموت سيضرب بجناحيه السامين كل من يعكر صفو الملك».. عبارة نُقِشَتْ على مقبرة توت عنخ آمون، عند اكتشافها وافتتاحها في أوائل عشرينات القرن الماضي، على يد عالم الآثار والمصريات البريطاني هاورد كارتر.. وهي العبارة التي فسرتْ شائعة انتشرت بين الناس وصدقها البعض وهي «لعنة الفراعنة»!
 
ولأن «محمد صلاح»، نجم نادي ليفربول الإنجليزي لكرة القدم، من نسل الفراعنة، فإن كل مَنْ يحاول أن يمسه بسوء، وأن ينال منه، تحل عليه اللعنة، وينال نصيبه من السخط والهجوم اللاذع، ما يجعل لسان حاله يقول: «يا ليتني كنتُ حمارا»!
 
منذ يومين، اشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي جدلًا؛ بسبب مقال لكاتبنا الكبير «سنًا ومقامًا» صلاح منتصر، في عموده بجريدة الأهرام بعنوان «رسالة إلى محمد صلاح».. وقطعًا أستاذنا غني عن التعريف، ورأيه معتبر، ويعتد به في كثير من القضايا التي يثيرها أو يتبناها في عموده، وقلمه تستطيع تمييزه من بين آلاف الأقلام التي صارت بلا طعم، لكنك لا تخطئ رائحتها..!
  
هاجم أستاذنا صلاح نجمنا العالمي صلاح.. ولا أدري كيف طاوعه القلم ليفعل ذلك؟ وما مبرراته؟ ولماذا انجرف إلى غرزة الإخوان وبعض «الفسابكة» الذين لم يجدوا في «أبو مكة» عيبًا فقالوا إنه «أحمر الخدين»!
 
ظني أن كاتبنا الكبير يحب نجمنا العالمي، فمن الذي لا يحب «الملك المصري» و«فخر العرب»؟ وظني أيضًا أنه لم يحمل كراهية لـ«أبو مكة»، لكن ربما يكون «خانه التعبير»، وهذا أمر طبيعي لنا- معشر البشر- فلكل جواد كبوة.. لكن «غلطة الشاطر بألف».. ومشكلة كاتبنا الكبير أن هجومه على «مو صلاح» جاء مباشرًا، بانتقاد تسريحة شعره، مشيرًا عليه بحلق لحيته حتى لا يُشبه الإرهابيين، قبل أن يضطر- تحت وطأة هجوم محبي الـ«مو»- إلى الاعتذار وتوضيح ما كان يقصده!
 
فحتى ولو افترضنا حسن النية- وهو ما أميل إليه- فإن النتيجة التي لا يمكن التعامي عنها، أن الأستاذ صلاح سقط أمام الكابتن صلاح.. وقلم الصحفي الكبير خسر أمام قدم الكروي الخلوق..!
 
وما زاد الطين بلة، أن «داعية سلفي»  يدعى «هشام البيلي» طالب محمد صلاح بـ«التوبة وترك كرة القدم»، واصفًا سجود «أبو مكة» عقب إحرازه الأهداف، بأنه «غير شرعي».. فيا للعجب!
 
والله إن الذي جاء به منتصر والذي جاء به البيلي ليخرج من «خرارة» واحدة، كنا ظننا أنها أغلقت تمامًا، ولم يعد لها وجود بيننا، لكنهما أبيا إلا أن يفتحا غطاءها ليزكما أنوفنا بالرائحة التي نتمنى الخلاص منها إلى الأبد.
 
لقد فات على أستاذنا «منتصر» أن عددًا كبيرًا من نجوم كرة القدم القدامى والحاليين، العالميين منهم والمحليين  يتركون لحاهم، ويبتكرون تسريحات خاصة بهم، وفقًا لموضة العصر، «أكرت، كيرلي، كابوريا، إنجليزي، زلبطة، هايش» كما كان يفعل جيل الخطيب، دون أن نسمع أحدًا يشبههم بالإرهابيين..!
 
أعتقد أن أستاذنا- لو كان له في كرة القدم- لتذكر أسطورة كرة القدم البرازيلي «سقراط» ولحيته الشهيرة، وميسي اللاعب الأشهر حاليًا وغيرهما من الذين يملأون الملاعب.. أما إذا كان أستاذنا «يحب البلدي»، فإنني أذكره بلاعب الإسماعيلي الراحل «حمادة الروبي»، الذي كان صاحب لحية متميزة، ثم لحية كابتن الترسانة والأهلي والمنتخب «محمد رمضان»، وعبد الله السعيد.. وقطعًا لا أحد ينسى لحية الكابتن مجدي عبد الغني، الذي ما زال يعايرنا بهدفه في كأس العالم..!
 
وإذا كان أستاذنا مثل زوجتي، كل معلوماته عن لاعبي كرة القدم أنهم بـ«يجروا ورا أكل عيشهم»، فإنني أذكره بعلماء وعباقرة مثل ألبرت أينشتاين، وليونادو دافنشي، وجيمس كلارك ماكسويل، وغيرهم من العباقرة والذين اكتشفوا ووضعوا نظريات علمية عظيمة، لكن مظهرهم لم يكن يوحي بذلك، ولم يصفهم أحد بالإرهابيين لمجرد أن شعرهم «هايش»، و«دقنهم طويلة»!
 
أما الداعية السلفي، الذي لا أعلم من أي عصر جاء إلينا، فإنني أذكره بأن محمد صلاح- في رأيي، ولا أذكيه على الله- أفضل ألف مرة من آلاف الدعاة الذين يقولون ما لا يفعلون، ويتحدثون عن الدين دون أن يترجموا ذلك في أفعالهم وسلوكياتهم..!
 
أحيل أستاذنا وشيخنا إلى الحديث الشريف المتفق عليه ((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ اللَّهَ لا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ )).. فهل يترك الله- عز وجعل- قلب صلاح وأعماله وينظر إلى شعره الأكرت، ولحيته الطويلة «إللي بتشوك»؟!
 
صلاح منذ أن سافر للاحتراف في أوروبا ونحن لم نسمع عنه إلا كل الخير.. كان ولا يزال خير سفير لمصر والعرب والمسلمين.. لم يُضبط بنطق قولٍ فاحشٍ، ولم يتورط في فعل مشين مثل الشيخين «علي ونيس» و«أنور البلكيمي» وأشباههما، ولم تثر شبهات حول ثروته من التجارة بالدين وتوزيع صكوك الغفران على الأتباع والمريدين.. صفحته بيضاء من غير سوء.. سيرته مسار فخر واعتزاز للجميع.. التزامه الديني مضرب المثل.. نجح في تحويل الرياضة إلى قيمة أخلاقية إسلامية.
 
«أبو مكة» هذا الريفي العالمي ما زال يتردد على بيته وأهل قريته في الغربية.. لم يتنكر لأصله مثل بعض الشيوخ الذين فتح الشيطان عليهم..  قدم لمصر ما لم يقدمه مئات الدعاة الذين يُطاردوننا في الفضائيات والإذاعات، والمواقع الإلكترونية، وعلى مواقع التواصل الاجتماعي.. قدم تبرعات لمؤسسات كثيرة، وعمل من الخير في بلده مالم يفعله كثيرون، ونسأل الله أن يجعلها في ميزان حسناته.
 
ختامًا.. إذا كان ينبغي لأحد أن يتوب أو يعتزل، فهو كل كاتب لا يدرك قيمة القلم الذي يمسكه، ولا يعي خطورة الكلمة التي يكتبها.. وكل داعية ضيق الأفق، كل مؤهلاته أنه قرأ كتابين وأمسك بـ«الكرستالة» وصعد على خشبة المسرح، وراح يوزع الرحمات واللعنات وكأنه الوكيل الحصري للتحدث باسم ربنا..!
 
هؤلاء وأمثالهم يجب عليهم أن يتوبوا، او يُجبروا على التوبة.. وأن يتراجعوا عن ما قالوا أو يُجبروا على الاعتزال.. وأن يُعاملوا معاملة الجاني على الإسلام والمسلمين، وأن لا يُكتفى بالرد عليهم بالكلام، بل لابد أن يُؤدبوا أيضًا؛ ليكونوا عبرة لأمثالهم.