التوقيت الخميس، 20 سبتمبر 2018
التوقيت 01:28 م , بتوقيت القاهرة

قصة مسجد.. "أنامل قبطية" وراء عبقرية مسجد أحمد بن طولون

أحمد بن طولون
لا يمكن لك ألا تقودك الصدفة يوما، وترميك بمحاذاة مسجد أحمد بن طولون، لتلقي عليه نظرة خاطفة يملؤها الإعجاب، إلا وشعرت أن التاريخ يهتف فى روحك بصوت عال، ويدعوك إلى جلسة تصفو فيها ذاتك من الهموم، وتمارس التأمل بين زواياه، فتشعربالراحة التامة وأنت تسبح بعينك فى سحر قبابه الكثيرة 
لكن الدهشة ستغمرك حين تقلب فى كتب التاريخ بتطفل، وتبحث عن الفنان العبقري الذى قاد هذا التصميم الساحر، فتجده أنه قبطي.. تتصاعد دهشتك" قبطي يصمم أجمل مسجد من مساجد المسلمين..؟
 
مسجد أحمد بن طولون
مسجد أحمد بن طولون
 
لكن تسامح التاريخ لا يشبه تطرف اليوم، فى الماضي كان الفن القبطي يمتزج بالفن الإسلامي، فيخلق منه عزفا مشتركا لمنح أرواحنا السلام، وهنا وجد المهندس القبطي سعيد بن كاتب الفرغاني، سعادته وهو يصممم أروع مسجد فى عهد أحمج بن طولون، تقترب منه شيئا فشيئا وأنت تقرأ لجامع السيرة الطولونية: تولى لأحمد بن طولون بناء هذه العين رجل نصرانيّ اسمه سعيد بن كاتب الفرغاني حسن الهندسة حاذق بها.. أنا أبنيه لك كما تُحب وتختار بلا عمد إلا عمودي القبلة، فأحضره وقد طال شعره حتى تدلى على وجهه، فبناه‏ وحسن البناء في عيني أحمد بن طولون وكافأ سعيد الفرغاني».
 
مسجد أحمد بن طولون1
مسجد أحمد بن طولون
 
876 م تم وضع حجر الأساس لمسجد ابن طولون على جبل يشكر، يسرد الدكتور عبد الوهاب المسيري فى كتابة "اشكالية التحيز في الفن والعمارة" بدايات التأسيس للمسجد:"بني تصميمه ليشبه مسجد سامراء، وهو ما جعل العلماء الغربيون يشبهونه بالسرج الذى يحتضن الحصان، وتميز المسجد بكثرة الإنفاق على تصميمه، فالفترة الزمنية التى تولى فيها "بن طولون" الحكم كانت فى قمتها، وشهدت بزخا كبيرا، حيث كانت الزخارف تتم بالذهب والفضة والنوافير تملأ بالزئبق".
 
فى عهد الأيوبيين تحول المسجد إلى جامعة تدرس فيه المذاهب الفقهية الأربعة، والحديث والطب، ويعد الجامع الوحيد في مصر، الذي لم تتغير معالِمُه، وكذلك مئذنته هي أقدم المآذن بمصر، والتي صممت على طراز سامراء لتصبح مئذنته هى الوحيدة في العالم الآن، على هذا الشكل بعد هدم القصف الأميركي مثيلتها في سامراء ببغداد.
 
تشير المراجع إلى أن ابن طولون بدأ بناءه للجامع في موقعه الحالي بميدان طولون بحي السيدة زينب، سنة 263ه - 876 م، وأتمه سنة 265ه - 879 م، إلا أن المقريزي ذكر في «المواعظ والاعتبار في ذكر الخطب والآثار»، الجزء الثاني: وشكا أهل مصر إلى ابن طولون ضيق المسجد الجامع يوم الجمعة بجنده وسودانه فأمر ببناء المسجد الجامع بجبل يشكر، فابتدأ ببنائه في سنة أربع وتم في سنة ست وستين ومئتين، وخرج في جيوشه لثمان بقين من شعبان سنة أربع وستين، واستخلف ابنه العباس، وضم إليه أحمد بن محمد الواسطي مدبراً ووزيراً»، أي بدأ البناء في سنة 264ه، وأنهاه في سنة 266ه.
 
ستة أفدنة هى حجم المساحة التي بني عليها المسجد، ليبلغ طوله 138 متراً طولاً وعرضه 118متراً، ويحيط به من ثلاثة جهات - البحرية والغربية والقبلية - ثلاث زيادات عرض كل منها 19متراً يتوسطه قبة محمولة على رقبة مثمنة ترتكز على قاعدة مربعة، ويحيط بالصحن أربعة أروقة أكبرها رواق القبلة ويشتمل على خمسة صفوف، ويشمل كل من الأروقة الثلاثة الأخرى على صفين فقط.
 
صورة متخيلة لإبن طولون
صورة متخيلة لإبن طولون
 
ويبلغ عدد أبواب جامع بن طولون 19 باباً، والشبابيك من الجص المفرغ، ويختلف أشكالها تبعاً للعهد الذي أُضيفت فيه، وبين كل منها تجويفة مخوصة، وتنتهي أسوار الزيادات بشرفات مفرغة، ويتوسط جدار القبلة المحراب الكبير الذي لم يبق من معالمه الأصلية سوى تجويفه والأعمدة الرخامية التي تكتنفه، وبجانب المحراب منبر أمر بصنعه السلطان لاجين، وحل محل المنبر الأصلي، وهو مصنوع من الخشب المجمع على هيئة أشكال هندسية.
 
فى عام 1881 أمر الملك فؤاد الأول في سنة 1918م بإعداد مشروع لإصلاحه كاملاً، وإخلاء ما حوله من أبنية، راصداً لذلك أربعين ألف جنيه.
 
وكانت أعمال إصلاح الجامع وترميمه تأتي على فترات، ففي سنة 470ه قام بدر الجمالي، وزير الخليفة المستنصر الفاطمي، ببعض إصلاحات بالجامع، وأمر الخليفة المستنصر بعمل محراب من الجص برواق القبلة، وفي العصر المملوكي قام السلطان حسام الدين لاجين، وفاءً بنذر، بإنشاء القبة المقامة وسط الصحن بدلاً من القبة التي شيدها الخليفة الفاطمي العزيز بالله والتي كان قد أقامها بدلاً من القبة الأصلية التي احترقت سنة 376ه. وأحمد بن طولون أول من أقام حفل إفطار جماعي في شهر رمضان في السنة الرابعة من ولايته.