التوقيت الأربعاء، 17 يوليه 2019
التوقيت 02:19 م , بتوقيت القاهرة

أقوى أم فى مصر.. هناء حولت طفلتها من متلازمة داون لبطلة

الطفلة مريم
الطفلة مريم

شعرت بحركة غير طبيعية فى بطنها ومعها تحركت كل إنذاراتها الداخلية، تسارعت ضربات قلبها واعتلت الابتسامة وجهها رغم الألم، لأنها كانت تعلم أن الوقت قد حان لتصبح أم فلم تعد أمنيتها مجرد حلم .. ستتحول لحقيقة قريبا بعد أن فقدت حملها الأول مسبقا ولم تستطع أن تحظى بتجربة الأمومة، وما بين فرحة الأمل وخوف الرجاء سارعت مع زوجها للمستشفى لتنجب جنينها الذى ما أن خرج للحياة إلا واكتشفت أنه فتاة جميلة يرتسم على وجهها ابتسامة مثل والدتها ويخرج لسانها بشكل ملحوظ من فمها حتى ضحك الجميع من حولها وقالوا لها "بنتك هتبقى فتانة يا هناء".

هناء أمين أصبحت والدة مريم وجيه وأخيرا تحقق الحلم الذى طالما تمنته بكل ما تحمل بداخلها من مشاعر واستعدت له بكل طاقتها، ولكن هناك جزء لم تراه فى حلمها وهو أن تلد طفلة من أطفال "متلازمة داون"، عندما صارحها زوجها بالحقيقة التى عرفها من الأطباء قالت له "يعنى أيه بنتى متلازمة داون"، لم تكن تعرف شيئا عن المرض ولكنها تلقت الصدمة بهدوء وخرجت من مفاجأتها سريعا لتبحث عن الأطباء من أجل بنتها التى ولدت بثقب فى القلب ومشكلات بالجهاز الهضمى، ولأن الحياة اختبارات وتحديدات واجهت هناء اختبارها الثانى عندما ذهبت لطبيب أطفال فبدلا من أن يقدم لها حلول وصف طفلتها بالـ"متخلفة عقليا"، وعرض عليها التخلص من الطفلة بحقنة هواء والانتهاء من كل هذه المشكلات، فتركته باكية لا تصدق أنها النهاية.

ومع هذه اللحظة تحديدا كانت بداية رحلة والدة مريم مع تأهيل طفلتها لتواجه الحياة ليس فقط صحيا ولكن أيضا نفسيا واجتماعيا، ذهبت الوالدة لطبيب آخر أعطاها الأمل الذى منعه السابق، وساعدها فى المرور من هذه المرحلة الصحية الصعبة، وتابعت الطفلة خطوة بخطوة وهى تكبر ويكبر معها الأمل والحب، كانت تنظر لطفلتها وتقول "متخافيش يا مريم طالما أنا معاكى .. هنعمل كل حاجة ومش هنوقف".

توالت الاختبارات الواحد تلو الآخر فى التعليم ومعاملة المحيطين ومشكلات التخاطب والكثير من هذه التحديات التى كانت تنتصر عليها بالصبر، فعندما عادت لها مريم باكية يوما من المدرسة بعد أن واجهت التنمر من جانب زملائها فى الفصل الذين ضربوها عند غياب المدرسة التى تتابعها، ذهبت هناء لسحب ملف ابنتها وحولتها لمدرسة فكرية وتابعت تعليم بنتها بنفسها اهتمت فقط بتنمية مهاراتها فيما تجيده ولعل الرسم كان موهبتها الحقيقية الذى اخذت تنمى فيها خطوة بخطوة مع بداية شرائها للألوان وملاحظتها شغف بنتها بالتلوين لتدريبها على رسم الأشكال المختلفة.. وهنا تقول هناء " كانت مشكلتى الوحيدة أن مريم مش هتدخل الكلية بس ربنا كبير ووقف جنبها ودخلت الكلية فى ميعادها كمان".


قصة دخول مريم للكلية كانت معجزة ألهية حقيقية كما توصفها الأم قائلة " قدمت لمريم فى مسابقة "موهوب مصر" وفازت كأكثر فنانة موهوبة بين غيرها من ذوى الاحتياجات الخاصة وكمان خدت منحة لدخول كلية الفنون الجميلة مقدمة من وكيل الكلية دكتور أشرف رضا عشان تتعلم الرسم التشكيلي بدقة واحترافية"، ولم تحصل مريم على هذه الجائزة فقط فى الفنون ولكنها أيضا فازت  في ملتقى أولادنا للفنون لذوي القدرات الخاصه بمشاركة 36 دولة في الفنون التشكيلية.

أما عن مشكلة التخاطب فتخطتها الوالدة بالغناء، قائلة " بنحب نغنى مع بعض صابر الرباعى ومريم بقيت بتعرف تنطق الكلام أحسن وهى بتمشى على الموسيقى، ومحاولاتنا فى الرسم دايما خلتنا بنتفاهم أكتر برسم الناس حوالينا والوشوش وهى بتضحك".

مريم واجهت مشكلة كبيرة مع وزنها المتزايد دون توقف، والذى جعل والدتها تهتم بتمارين للفتاة لانقاص وزنها، ومنها اختارت لابنتها رياضة تناسبها وهى السباحة التى تمكنت منها مريم ولم تعد مجرد رياضة تحافظ على وزن مناسب وصحة جيدة ولكن وصلت فيها لعدة بطولات مهمة، فحصلت على 40 ميدالية بين ذهبية وبرونزية فى مسابقات دولية، منها تميزها فى دورة الأولومبيات الأخيرة لذوى الاحتياجات الخاصة وحصولها على عدة ميداليات بها، ومن هنا تحديدا تحولت مأساة طفلة صغيرة لا يتقبلها المجتمع إلى بطلة مصرية وفنانة تشكيلية ترسم اسمها بألوان من الأمل والبهجة استطاعت والدتها أن تمنحها اياها.

مريم وجيه ليست الوحيدة التى تعانى من "متلازمة داون"، فهذا المرض يشكل 25% من مجموع الأمراض الوراثية التي تنتج عن وجود خلل في الكروموسومات، واحتمال الإصابة بالمرض هي من 1 إلى 700 طفل، ولكنها من القليلين الذين استطاعوا من خلال الدعم أن يتعايشوا بطريقة أفضل صحيا وكذلك يحققون إنجازات على المستوى العالمى وليس فقط المحلى.. فليس فقط وراء كل رجل ناجح امرأة ولكن وراء كل ابنة ناجحة والدة آمنت بقدرات طفلتها.