التوقيت الجمعة، 19 أبريل 2019
التوقيت 10:27 م , بتوقيت القاهرة

طومان باي.. آخر السلاطين المحترمين

عند باب زويلة، توقف ركب السلطان الأسير طومان باي. كان في حراسة 400 جندي من الانكشارية، مكبلا فوق فرسه. وكان الناس في القاهرة قد خرجوا ليلقوا نظرة الوداع على سلطان مصر. تطلع طومان باي إلى "قبو البوابة" فرأى حبلا يتدلى، فأدرك أن نهايته قد حانت. ترجل، وتقدم نحو الباب بخطى ثابتة. توقف وتلفت إلى الناس الذين احتشدوا من حول باب زويلة، وتطلع إليهم طويلا.


طلب من الجميع أن يقرؤوا له الفاتحة ثلاث مرات، ثم التفت إلى الجلاد، وقال: "اعمل شغلك"، فوضع الجلاد الحبل حول عنقه ورفع الحبل، لكن حدثت مفاجأة، انقطع الحبل وسقط السلطان على عتبة باب زويلة، فجربوا المحاولة ثانية والنتيجة كما هي، وفي الثالثة فاضت روحه إلى بارئها، وشهقت الجماهير تنعي سلطانها المحبوب.


هكذا يصف المؤرخ "ابن إياس" لحظات طومان باي الأخيرة، بعد قرار إعدامه من السلطان العثماني سليم الأول.
 


من هو طومان باي؟


الأشرف أبوالنصر طومان باي، آخر سلاطين المماليك الشراكسة في مصر. السلطان الوحيد الذي شنق على باب زويلة. استلم الحكم بعد مقتل عمه السلطان الغوري بموقعة "مرج دابق" بعد أن عينه نائبا له قبل خروجه لقتال العثمانيين. في كتابه "أبطال وشهداء في تاريخ الإسلام"، يذكر جمال بدوي: "الأنباء وصلت إلى القطر المصري بهزيمة العسكر في مرج دابق، فاجتمع أمراء المماليك وقرروا تعيين طومان باي سلطانا عليهم، وكان نائب الغوري على مصر أثناء خروجه لملاقاة سليم. رفض طومان في البداية السلطنة، وقبلها بإلحاح العارف بالله الشيخ أبوالسعود الجارجي، فقد كان يعلم حقيقة الأوضاع المالية والعسكرية بحكم قرابته للسلطان الغوري، وبحكم انتمائه إلى طبقة المماليك، فقد فرّق الغوري خزانة البلاد على الأمراء، ليغريهم بالخروج معه إلى الشام لملاقاة جيش بن عثمان، قبل أن يتقدم نحو مصر".


وكما روى كتاب "هؤلاء حكموا مصر" لمؤلفه حمدي عثمان، رأى السلطان طومان باي أن يسرع بالزحف لمقاتلة العثمانيين بجنوب الشام، قبل أن يصلوا إلى الأطراف المصرية، فأرسل حملة على رأسها الأمير “جان بردي الغزالي” المملوكي سنة 1516م، للوقوف في وجه العثمانيين شمال غزة.


لكن خيانة هذا الأمير أدت إلى هزيمة القوات المملوكية، وبذلك وصلت جنود العثمانيين إلى غزة في طريقها إلى مصر، فأعد طومان باي جيشا بسرعة وخرج إلى "الريدانية"، وهي المنطقة الممتدة حاليا بين العباسية ومصر الجديدة، وعزم على السير منها إلى الصالحية، بمحافظة الشرقية حاليا، ليلتقي بالعثمانيين بعيدا عن القاهرة، غير أن أمراء جيشه أشاروا عليه بالوقوف عند الريدانية، والتربص هناك للعثمانيين، وغلبوه على أمره.


وفي يناير 1517م، جاء الخبر إلى الريدانية بأن العثمانيين وصلوا العريش، واستولوا عليها، وهي أول البلاد المصرية، ثم تقدموا حتى وصلوا الصالحية، عند ذلك قرر الأشرف طومان باي السير إلى الصالحية، أملا فى مفاجأة العثمانيين قبل أن يذهب عنهم تعب الزحف عبر الصحراء، لكن أمراء المماليك تغلبوا على السلطان مرة ثانية، وآثروا البقاء في الريدانية.


بعدها، في 22 يناير 1517م، نشبت المعركة الشهيرة "الريدانية"، بين السلطان طومان باي والسلطان سليم الأول، ورغم فرار بعض القوات المملوكية، فإن الأول أبدى من البسالة والشجاعة والمهارة ما جعل العدو يشيد به قبل الصديق، حتى أن السلطان العثماني كاد يقتل في المعركة.


لكن من جديد تسببت الخيانة في هزيمة قوات المماليك وانسحابها، ولجوء طومان باي بقواته إلى منطقة بولاق، تاركا سليم الأول يدخل القاهرة عاصمة البلاد، غير أن طومان باي باغت معسكر العثمانيين بعد ذلك كثيرا، الأمر الذي تسبب في إحراج القوات العثمانية.


ومرة أخرى، يكاد السلطان سليم الأول العثماني أن يُقتل ويقضى عليه تحت هجمات المناضل طومان باي، الأمر الذي جعل السلطان سليم، يرصد مكافأة مجزية لمن يرشد عن مكان طومان باي، إلى أن تحقق مراده على يد شيخ يدعى "حسن بن مرعي"، احتمى به طومان باي، لكنه خانه وسلمه إلى سليم الأول، لينتهي فصل مجيد من مقاومة المصريين للغزو العثماني.


ويذكر عدد من المؤرخين، أن السبب الرئيسي في قرار سليم الأول بإعدامه، هو خوفه من شعبيته وعدم تصديق المصريين للقبض عليه، فقد كان رمزا للمقاومة. فأخرج طومان باي من سجنه، وسار وسط حرس عدته 400 جندي إلى باب زويلة؛ حيث نصبت له مشنقة وظلت جثته معلقة ثلاثة أيام، ثم دفنت في قبة السلطان الغوري، وبموته انتهت دولة المماليك وسقطت الخلافة العباسية، وأصبحت مصر ولاية عثمانية.