استقلال إسكتلندا واندماج ويليام والاس
ساعات قليلة تفصل لحظة كتابة هذه السطور عن إعلان النتائج النهائية لاستفتاء إسكتلندا على البقاء أو الانفصال عن بريطانيا.
أغلب الاستفتاءات تشير إلى أن حوالي 53 أو 52% من الإسكتلنديين يؤيدون البقاء ضمن المملكة المتحدة، لكن مع فارق ضئيل من هذا النوع، تظل احتمالات الانفصال واردة. القرار معقد وتوابعه لا تنتهي، وإذا جاءت النتيجة بالانفصال، فأمام إسكتلندا مشوار طويل جديد لبناء مؤسسات وحكومة كاملة منفصلة، وعلى كل هذا ليس مقال عن النتيجة الأصح، لأنني شخصياً لا أعرفها، لكن هذا مقال عن منهج التفكير نفسه.. عن طريقة اتخاذ القرار.. عن الوعي العام المختلف كلياً وجزئياً عنا. عن الفرق بين العقلية الغربية والعقلية العربية الممكن ملاحظته من فيديوهات وعينات للإسكتلنديين توضح ماذا اختاروا ولماذا.
أغلب المقالات والتحليلات سواء تلك التي أيدت الاستقلال أو الرافضة له، يهمها في النتيجة شيء واحد، وهو مقارنة المصالح الاقتصادية المتوقعة مستقبلاً للمجتمع الإسكتلندي في الحالتين. النعرة القومية واتخاذ القرار وبناء الأحكام بناء على نظريات (نحن - هم) لن تجد الكثير منها كما هو متوقع نظرياً في استفتاء من هذا النوع.
التاريخ هنا في منهج التحليل للأغلب الاسكتلنديين ليس محطة لشحن العواطف واللعب على مشاعر الرغبة في الانتقام وتصفية الحسابات، لذا لم يعد لنضال ولغة الاسكتلندي "ويليام والاس" وهو الشخصية الشهيرة التي خلدها النجم "ميل جيبسون" في فيلمه الشهير "BraveHeart" مكان في 2014. التاريخ مجرد محطة لتحصيل معلومات واستنتاج قناعات وتوقعات بخصوص المستقبل، لكن لا يجب أن يكون دافع أو محرك لاستمرار عداوات أو صداقات. لايوجد منطق في أن ترث أجيال جديدة كل الترسيبات النفسية لأجدادها، وأن تعيد توريثها للأجيال التالية.. لا يوجد منطق أن تكون قناعات القرون والعقود الماضية هى نفسها بالضرورة قناعات اليوم، رغم تغير كل الظروف.
أجواء القوميات والعبارات الإنشائية والمصطلحات الفضفاضة المبهرة من نوعية (الكرامة - العزة - الشرف) اندثرت نسبياً، ومن حسن حظهم أنها شبة اندثرت، ففي الحقيقة هى مجرد حيل لغوية لابتزاز البشر ودفعهم لاتخاذ مواقف وقرارات، يجب أن يكون محورها الوحيد لغة العقل والمصلحة والمنطق، بدوافع أخرى بديلة لا تحتوي الا على ضغوط وأحكام أخلاقية لا محل لها من الإعراب، ولا تصلح بأي حال كطريقة لتمييز (الجيد - المقبول - السيئ - الأسوأ).
ولأن لغة الأحكام الأخلاقية غير موجودة، لن تجد مساحة كبيرة لاتهامات التخوين والعمالة المتبادلة بين الطرفين (المؤيد - المعارض). لن تجد أيضاً الجنين المشوة المعتاد لكل ثقافات القوميات والعنصريات، وهو (نظرية المؤامرة) التي يرى أصحابها أنهم محور الكون، وأنهم مستهدفين، لأن اللحظة التي سترى فيها نفسك المجتمع الأفضل والأرقى من الباقي بسبب (دينك - جنسك - أو أياً كانت الصفة التي ترى فيها سبب لتميزك عن الباقين) هي نفسها الثانية التي ستبدأ فيها أنت ومجتمعك في اختلاق أوهام عن رغبة وسعي الباقين لإضرارك ومحاربتك.
وبمرور الوقت تصير الدائرة مغلقة. المزيد من نظريات المؤامرة، تخلق شخصا ووعيا عاما أكثر ميلاً وقناعة بالأفكار العنصرية والقومية، والمزيد من الأفكار العنصرية والقومية تخلق أرضاً خصبة لانتشار نظريات المؤامرة، وتفسير كل فشل أو عجز بها، إلى أن تجد نفسك في مجتمع مثل مجتمعنا الحالي، يصنع الكارثة ويرعاها، ثم يدعي أنها لا تخصه (نظرية داعش صناعة أمريكية).
النقيض تماماً من الغرب ستجده هنا. النخبة التي يجب أن تصدر للمجتمع لغة المنطق والعقل في اتخاذ القرار، تسيطر عليها الأحكام الأخلاقية ولغة القوميات والعواطف، ويسهل ابتزازها بهذه اللغة: هنتخب الإخوان في إعادة البرلمان عشان أسقط مرشح الفلول - وثيقة السلمي لتحقيق امتيازات مدنية بعد أحداث أثبتت بوضوح قدرة الفاشية الدينية على فرض نفسها، مرفوضة لأن ثورتنا ضد العسكر ونرفض منحهم مزايا- هعصر ليمون وانتخب مرسي والفاشية الدينية كمرشحين (ثورة الحريات) لأن بيني وبين شفيق دم - حماس مهما كان عربية ويجب مساندتها.. الخ). كلها طرق بائسة لاتخاذ قرارات ومواقف مصيرية، لم ولن نجني منها إلا قفزات واسعة للانتقال من السيئ للأسوأ، ومن المؤسف أن كل الشخصيات والرموز والآيدلوجيات التي بنت مواقفها على هذا البؤس لا تتعلم ولا تزال تكرر خطاياها بنفس الشكل، ولا يزال البعض معجبا جداً بكتاباتها ومواقفها وأحكامها الأخلاقية المملة الضارة، ومثالياتها السخيفة وخطبها العقيمة.
إسكتلندا قد تستقل وقد لا تستقل، وعلى الأغلب ستكون عرفتَ النتيجة لحظة قراءتك لهذه السطور، ولا أعرف بشكل قاطع أي النتيجتين أجود لمستقبلها، لكن المؤكد أنها مجتمع أفضل بمراحل من مجتمعات تعيش الماضي، وترث وتورث عداوات عمرها آلاف السنين (سُنة - شيعة)، ويحكم وعيها حتى الآن رموز ومشاهير ومناضلين وآيدلوجيات، ثبت بالتجربة العملية أنهم والفشل زوجان مخلصان وفيان لم ولن ينفصلا نهائياً.
نسخة 2014 من ويليام والاس الغرب، لن يردد خطب وشعارات جوفاء على مسامع الإسكتلنديين، ولو فعل ذلك سيكون مصيره من أغلبهم السخرية والإهمال، والطريقة الوحيدة لإقناعهم بوجهة نظره، ستكون بلغة المنطق والأرقام، والاحتمالات المستقبلية. نسخة 2014 من ويليام والاس ستكون قد اندمجت مع الاقتصاد والصناعة والهندسة والحداثة والعالم.
والشيء الوحيد الذي فكرت فيه بعد مشاهدة كل هذه الفيديوهات واللقاءات مع المواطن الإسكتلندي العادي، على اختلاف رأيه بخصوص الاستفتاء، أو نوعه أو سنه أو وظيفته، هو أن هنيئاً لهم بوعي عام مختلف عن وعي العصور الوسطى، ينظر إلى المستقبل ويفاضل بلغة العقل والمنطق، وهنيئاً لنا بوعي وتراث وخطب وشعارات ولغو أجداد العصور الوسطى.
[email protected]