التوقيت الأربعاء، 29 يونيو 2022
التوقيت 12:15 م , بتوقيت القاهرة

أولاد الكلب والسحلية

سَهّير ليالي وياما لفيت وطفت
وف ليلة راجع في الظلام قمت شفت
الخـــــــــوف.. كأنه كلب سد الطريق
وكنت عاوز أقتله.. بس خفت
عجبي..


لا يتعجب الفيلسوف صلاح جاهين في هذه الرباعية من خوف البشر الغريزي، خوفنا من الطبيعة النزقة والفناء والعدم والذي لولاه لما عرفنا الحضارة. فلولا غريزة الخوف لما كان الذكاء والابتكار والطب والعجلة والنار والتقدم والحياة.. لكن يتعجب صلاح جاهين من الخوف الآخر النابع من داخل البشر، الخوف الوهمي القادر على سد الطريق حتى على أكثر الناس خبرة (ياما لفيت وطفت).. الخوف الذي ربما يدرك الناس أنهم أقوى منه (كنت عاوز أقتله).. لكنهم لا يمتلكون الشجاعة الكافية لاتخاذ القرار.


هناك أناس ينجحون في قتل كلب الخوف .. هؤلاء هم الأحرار. يسيرون في الطريق ببراءة الأطفال وصلابة الأسود. لا يهمهم ماذا يُقال عنهم.. لا يخشون أوهامهم ولا أوهام الآخرين.  وهناك من يمضون حياةً كاملة في مصارعة الكلب.. ينتصرون في جولات وينهزمون في جولات.. هؤلاء هم الشجعان. فالشجاع ليس من لا يخاف، بل من يواجه الخوف دون شك في حتمية المواجهة.


وهناك من تتسمر أقدامهم في الأرض عند رؤية كلب الطريق.. تجذبهم عيناه كما تجذب حوريات البحر بأنغامهن الساحرة البحارة نحو الأعماق السحيقة. يستسلمون للخوف ويتوقفون عن السير أملاً أن يرحل الكلب من تلقاء نفسه ليفسح لهم الطريق.. لكن الكلب لا يرحل، بل يتمدد بعرض الطريق كأسوار الحصون القديمة.. مع الوقت يعتاد الخائفون الخوف وموقعهم الثابت في منتصف الطريق.. يصبح الخوف حصناً وملاذاً. فالكلب الذي نعرفه أفضل من كلاب أخرى أكثر ضراوة قد تنتظرنا في الطريق الغامض.. فلنتتظر حتى يحين أجل الكلب ويموت.


لكن كلب الخوف إذا لم يُقتل لا يموت.. بل يلد كلابًا أخرى في كل مرة ينبح فيها.. هذا النباح الذي لا تسمعه غير آذان الخائفين الواقفين في منتصف الطريق.


ينبح كلب الطريق خوفاً من الفقر.. فيلد كلبَ الذل.
ينبح كلبُ الطريق خوفاً من التساؤل.. فيلد كلبَ الكذب.
ينبح كلبُ الطريق خوفاً من النقد.. فيلد كلبَ التعصب.
ينبح كلبُ الطريق خوفاً من الاكتشاف.. فيلد كلب الانغلاق.
ينبح كلبُ الطريق خوفاً من الهزيمة.. فيلد كلب العدوانية.
ينبح كلبُ الطريق خوفاً من الفشل.. فيلد كلب السلبية.
ينبح كلبُ الطريق خوفاً من ضياع اليقين.. فيلد كلب الجهل.
ينبح كلبُ الطريق خوفاً من ضياع الفضيلة.. فيلد كلبَ النفاق.
ينبح كلبُ الطريق خوفاً من ضياع الحقوق.. فيلد كلبَ الفساد.
ينبح كلبُ الطريق خوفاً على الهوية.. فيلدُ كلبَ التزييف.


تنبح كل هذه الكلاب معا خوفًا من الواقع والحقيقة.. فتختفي ملامح الطريق وتجبر الخائفين على النكوص والعودة من حيث أتوا.. إلى بداية الطريق.. حيث الرعب البدائي والأسطورة. قاوم البشر الطبيعة والفيضانات والكواسر والأمراض وثعابين الكهوف وانتصروا.. لكن أسطورة الرعب النابع من داخلهم لم تُقهر بعد.


كان فيه زمان سحلية طول فرسخين
كهفين عيونها وخشمها بربخين
ماتت.. لكين الرعب لم عمره مات
مع إنه فات بدل التاريخ.. تاريخين
عجبي


 


 



!!