التوقيت الثلاثاء، 17 مايو 2022
التوقيت 05:53 ص , بتوقيت القاهرة

للمطاعم وجوه كثيرة

مغامرة مع سندوتشين هامبورجر بـ460 جنيه.. مأساة!


"اتفضّلي".. ينطق بها الجرسون بمنتهى الاحترام أثناء انحنائه قليلاً للأمام، عند تقديمه "المنيو" إليّ.. بعد أن قام بجر الكرسي للخلف، كي أجلس عليه متسائلاً "مرتاحة كده ؟". أنظر له بانبهار "عمر ما حد احترمني كده قبل كده!


ودون أن أحرّك نظري من عليه، أقبض على المنيو بـ يديّ كالقابض على جمرة، تمتلئ عيني بـ نظرات تشكيكية "تُرى ما هو المقابل لكل هذا الاحترام؟".. "ماذا لو رأيت المقابل في فاتورة الحساب!".


 يأخذ خطوة للخلف، في حين أقوم أنا بفتح المنيو.. وفجأة.. أنصدم.. ليس الرقم المكوّن من 3 خانات المكتوب أمام كل أكلة هو ما أدهشني.. بل ذهب نظري وانفرجت حدقتيّ على أقصى اتساع لهما عندما رأيت "أسماء الأكلات"!


- أسأل نفسي"هل هذه لغة هولندية قديمة أم أنها طلاسم تحتاج تعويذة لفكّها؟!" 


* يقطع عليّ التفكير صوت الجرسون حيث رددّ بأدب "إيه طلبات حضراتكم ؟" 


- "حضراتكم !!".. "كم !" .. تذكّرت أنني لست الوحيدة على هذه الطاولة.. ربما أستطيع طلب العون من صديقتي الجالسة أمامي.


* يخالجني شعور بالحرج.. أصدر حمحمة بسيطة ثم أقترب من أذن الصديقة فأسألها عن كود فك هذه الشفرة المعقّدة بداخل المنيو!


- ترد محاولة إخفاء ابتسامة ظهرت جلية في ملامح وجهها "أنا كمان مش فاهمة حاجة ؟!".


- أبتعد عن أذنها وقد شعرت ببعض الارتياح "مش لوحدي".. ثم ألومها لأنها من جاءت بنا لهذا الكوكب الغريب.


- أنتبه للجرسون الذي لازال يقف خلفي متأهبًا لكتابة الأوردر، فأتوجه له مداعبة "هي المنيو دي مافيهاش صور توضيحية؟".


- يرد باندهاش "صور إيه؟".


- لأ مفيش.. ممكن تديني فكرة عن الأكل اللي عندكوا؟


- آه عندنا نتايبنلانت / موسيفهنةلام / شكنوعيكخههة... إلخ 


- ممم عظيم عظيم.. بس هو أنا ماليش تقل على المكرونات.. عندكوا همبورجر؟


- لم يستطع الرجل كتم ضحكته أكثر فقال مبتسمًا "عندنا همبورجر". 


- طب هاتلي واحد همبورجر بالجبنة.. لأ.. خليهم اتنين.  


- ترد الصديقة "لأ يا منة أنا مابحبش الهمبورجر".


- " فكك دي الحاجة الوحيدة الموجودة وفاهمنها" أُعلّق. 


- يضيف الجرسون "حضرتك تحبي تضيفي مع الأوردر "شعتلكتاخحموز ؟"


- إحم.. لأ شكرًا بيعملي حمو. 


- يعقّب "ولا عايزة صوص السانتهكوزطدج؟". 


- لأ شكرًا.


- طيب فيه كمان مقبلات الهوجحهعاشي.. تحبي أجيبها لحضراتكوا عبال ما الأوردر يجهز؟


- لأ يفتح الله كله إلاّ الأكل الإسرائيلي.. أنا مقاطعاه من زمان. 


- ينفجر الرجل ضاحكًا ثم يعقب " لأ يا فندم ده... ".


- أقاطعه "صدقني كلمة من اللي بتقولهم كمان وهتهمك إنك بتقدم خمور في المطعم وهقوم أمشي ".


** يصدر الجرسون حمحمات متتالية ثم يستأذن لتحضير الأوردر.


* بعد القليل من الوقت أحضر الجرسون طبقين من الهمبوجر والبطاطس المحمّرة وكوبين من البيبسي.. وضعهما أمامنا ثم قال "بون أبوتيييه" وانصرف.


- قلت هامسة لصديقتي "الراجل ده محترم وذوق وأنا هديله Tips". 


- شرعنا في الأكل حيث اللامذاق واللارائحة واللالون.. لكن غطّى صوت الأحاديث والحكاوي والضحك والقهقهة على أصوات التأوّه بداخل بطوننا.


- وبعدما أدركت شهر زاد الصباح وسكتت عن الأكل المباح وقام الديك بالصياح.. جاء النادل يحمل بين يديه جلدة بُنيّـة مستطيلة، تبدو كأنّها كانت لأجندة اقتطعت أوراقها.. ثم سأل " ?? 2 cheese burger plus French fries & Pepsi"


- قلت مؤكّدة "Exactly" 


- ناولني الجلدة البنية.. فتحتها لأجد ورقة بيضاء مربعة صغيرة الحجم نسبيا كُتب بداخلها الطلبات بالإنجليزية وثمن الطلب الواحد ثم أسفلهما السيرفس والتاكسيس والـ ...  والتوتال ( 465.5 جنيها مصريا)!!!


* شهقت!.. فعلّها هذا الوغد!.. أُخرج المرآة الصغيرة من حقيبة يدي لأرى انعكاسي وأتساءل "هل على وجهي ما يوحي أن أبويا حرامي؟!". 


* أفرغت كل ما بداخل حقيبتي أنا وصديقتي الغلبانة حتى جمّعنا مبلغ (467 جنيه).. وضعت بداخل الجلدة البنية ( 466 جنيه)، وأصريت على الحصول على "50 قرش" الباقي.. ثم كتبت له على الورقة داخل الجلدة البنيّة "مش مسامحة". 


- و في طريق عودتي للمنزل مشيًا على الأقدام - حيث لا ميكروباص سيقبل بنصف جنيه كـ أجرة وهو كل ما تبقّى معي -  افتكرت إن كان في مطعم زمان اسمه "هيصة" ( أيوة اسمه كده) كان بتاع سمين وحمام محشي وممبار وكوارع وكبدة وطواجن.. كنا أول ما ندخل المطعم نحس فعلاً بإحساس الهيصة.. كان مهيّص الزباين وتحس بجو الحماس لكل اللي شغالين وحركة في كل مكان.. كنا بنطلب طلبات غريبة ونهطّـّل ونضحك ونطلب كمالة براحتنا وكان مجمل اللي بندفعه لا يتعدّى الـ "50 جنيه" للفرد.. وكنا بنبقى "مبسوطين جداً والضحكة من الودن للودن".


- فعشان كده لازم العالم اللي فاتحة المطاعم دي والعالم اللي بتروح تاكل عندهم كل "ويك إند" تعرف أن الفكرة مش في المكان الفخم ونوعية الأكل أو المنيو أم لغة غريبة أو الجرسون اللي بيتكلم إنجليزي.. الفكرة كلها في "الانبساط".


ظللت أحدث نفسي وأضحك طويلاً.. لكن لاحقًا سأحزن على هذا المبلغ لمدة أطول من مدة الضحك.


#بون_أبوتييييت


#مادية_حقيرة