التوقيت الأحد، 02 أكتوبر 2022
التوقيت 04:29 ص , بتوقيت القاهرة

تباين إلى الأسوأ في Divergent

مصطلح دستوبيا اليوناني لم يحظَ حتى سنوات بسيطة مضت، بشهرة نقيضه يوتوبيا في الأوساط الأدبية، لكنه مر مؤخرا بطفرة رهيبة في الأوساط الأدبية والسينمائية، بفضل سلسلة روايات وأفلام ألعاب الجوعى The Hunger Games للمؤلفة سوزان كولينز.


الرواية لم تكن الأولى التي تتنبأ بعالم كابوسي مستقبلي، وبكل تأكيد لا ترقى لكتابات رواد في هذا المجال، من أمثال فيليب ك. ديك أو جورج أورويل، لكن نجاحها الضخم أطلق هوجة دستوبيا المراهقين أو Young Adult Dystopian  التي اجتاحت السوق مؤخرا.



ما يميز هذه النوعية بالأساس عن غيرها من أعمال الدستوبيا، أن الأبطال مراهقون، يدفعون ثمن خطايا الأجيال السابقة التي دمرت الحضارات ونشرت الأوبئة، وحطمت المدن والدول في حروب بأسلحة فتاكة. باختصار هى نوعية تلعب على تيمة (نحن الجيل الضحية)، التي تسيطر على المراهقين في كل جيل تقريبا، وتغذيها حاليا أكثر وأكثر في الجيل الحالي، ثورة التكنولوجيا والاتصالات.


عشرات السلاسل سارت لاحقا على نفس النهج، ومن أشهرها عداء المتاهة The Maze Runner والمُتباينة  Divergent  وكلاهما انتقل سريعا للسينما. الجزء الثاني من Divergent  يعرض حاليا باسم المتمردة Insurgent، وتعرضنا له بالفعل في مقال منفصل، لكن من المنطقي أن نناقش السلسلة من محطتها الأولى.



رواية Divergent  هي النسخة الشبه الكربونية من  The Hunger Games من حيث الإطار العام، وقد نشرتها المؤلفة فيرونيكا روث عام 2011 وعمرها 23 عاما فقط.، وهو ما يجعل السلسلة والأحداث بطعم المراهقة نسبيا بالفعل.


لدينا بطلة أنثى تعيش في عالم مستقبلي مُقسم الى 5 فئات استنادا إلى صفات وميول سلوكية وأخلاقية (درجة الصدق - إيثار الأخرين.. الخ). وعلى كل شخص عندما يكبر، أن يعرف عن طريق تحاليل واختبارات، إلى أي فئة ينتمي. نتيجة تيريس في الاختبار مُتباينة، ولهذا هي لا تنتمي إلى فئة محددة. النتيجة المرعبة سر عليها أن تكتمه حفاظا على أمنها الشخصي، قبل أن تتوجه لفئة من الـ 5  ككل الباقين.


هذا الاندماج مع فئة محددة من الـ 5 لن يحل المشكلة، بقدر ما سيعقدها أكثر. لأن تيريس ستطاردها مشاكل عديدة بسبب اختلافها الذي لا ينتهي، لدرجة تكرار عبارات (أنت مختلفة - مميزة - غير الباقين - الأولى من نوعك.. الخ) عشرات المرات وبصورة مملة وسخيفة طوال الأحداث.



يمكنك هنا بالطبع أن تلمس طرف خيط البطلة المختارة أو The One التي ستنفذ العالم في النهاية. وهو الأمر الذي استغرق 3 روايات من فيرونيكا روث، وتنوي هوليوود استثماره في 4 أفلام لتحقيق مزيد من الربح، لأن الرواية الأخيرة  Allegiant  تم فصلها إلى فيلمين (2016 - 2017)، وهو نفس ما تم سينمائيا مع الشقيقة القدوة The  Hunger Games.


رغم كل ما توحي به الفكرة نظريا هنا من ميول مُركبة وأبعاد نفسية ثرية، تبدو كل الشخصيات تقريبا شديدة السطحية وأحادية البعد. ويكرر أغلبها نفس عباراته ومواقفه من أول الفيلم الى أخره عشرات المرات. 


شايلين ودلي ممثلة جيدة أثبتت نفسها في أفلام مثل The Spectacular Now - The Descendants،  لكنها هنا وفي أول دور بطولة كبير مهم، تتراجع خطوات إلى الوراء من حيث الأداء، بغض النظر عما حققته أو ستحققه من شهرة بفضل بطولة سلسلة بهذا الرواج الأدبي. وفي الحقيقة لا يسعفها السيناريو أو الحوار، الا بكل أساسيات البناء والأداء الدرامي الساذج.



رغم هذا فقد ربحت انتشارا وخطوة جماهيرية ما للأمام بفضل السلسلة، على العكس من النجمة المشهورة كيت وينسلت، التي تقدم هنا دورا سخيفا غير مهم لا تحتاجه. ورغم أنها تؤديه بشكل جيد نسبيا قياسا إلى سخافة وسذاجة الأحداث والجُمل والشخصية، فسيظل في النهاية ضمن قائمة الأسوأ في تاريخها. آشلي جود تنافسها من حيث السوء لكن نجوميتها في خفوت بالفعل منذ فترة، ومن المنطقي نسبيا أن ترضى بقدر ما من التنازلات في أدوارها حاليا. 


في عمل تدور أحداثه في المستقبل، ويطرح رؤية من هذا النوع، تحتاج إلى سطوة وحضور سينمائي مميز للمكان، وهو ما يفتقده الفيلم بشدة. رغم أن مخرجه نيل بيرجر قدم سابقا أفلاما جيدة مثل Limitless - The Illusionist . والأخير بالأخص، حقق هذه النقطة. مشاهد مطاردة القطارات والشوارع التي تم تصويرها في شيكاغو، معدومة المصداقية والحدة والشراسة. ومستوى الجرافيك والمؤثرات دون المتوسط.   


حتى مشاهد التدريبات والأكشن البسيط والقتال اليدوي، تم تنفيذها بشكل مُنفر يفتقد للإتقان، يبدو أقرب الى أفلام الدرجة الثالثة التي يتم طرحها مباشرة للعرض على اسطوانات العرض المنزلي، دون المرور بالشاشة الكبيرة.



أحد مقاطع الفيلم تلخص تقريبا تجربة مشاهدته. وفيه ينقسم الأبطال الى فريقين داخل ساحة مفتوحة للتدريب على المواجهات باستخدام الأسلحة، على طريقة اللعب المماثلة الشهيرة في الملاهي الآن. أداء الممثلين الشبان الشديد الجدية والسخافة في المقطع، مع تنفيذ المواجهات والأكشن الضعيف والبليد جدا، يلخص أزمة الفيلم. هذا فيلم يخاصم تماما مرح وبساطة أفلام المغامرات الخفيفة، ولا يقترب نهائيا أيضا من أي إطار جدي فعلي في المقابل. 


لدينا هنا جنين مشوه مستنتسخ من The Hunger Games - وهى سلسلة ضعيفة أيضا إجمالا بالمناسبة - لكنها تبدو بالمقارنة كتحفة فنية. على الأقل ستلمح أحيانا فيها لمسة اتقان ما في مشهد أكشن، أو موقع تصوير ضخم ومبهر. والأهم من كل ما سبق، حد أدنى من الترابط الدرامي. وهي نقطة لا تتوفر في  Divergent  الذي يغير اتجاهاته باستمرار طوال 140  دقيقة، دون أي انسجام أو ترابط..



باختصار:
سيناريو غير مترابط، يقدمه مجموعة من أنصاف الموهوبين، في عمل يفتقد إلى أي لمسة إتقان روائيا وبصريا وتمثيليا. البدايات المتعثرة تقود عادة إلى خطوات أخرى متعثرة، ولا يوجد في Divergent ما يبشر بميلاد سلسلة سينمائية جيدة. لا يوجد حتى الحد الأدنى من التسلية. 


لمتابعة الكاتب