التوقيت الثلاثاء، 04 أكتوبر 2022
التوقيت 01:14 م , بتوقيت القاهرة

روبوت شاعري وبشر متوحشون في Chappie

أعتقد أن مشاكلنا النابعة من طباعنا غير قابلة للحل. نحن بحاجة إلى تغيير تركيبتنا الجينية، أو إلى ابتكار أجهزة كمبيوتر يمكنها إيجاد حل لها. لا أعتقد أن البشر قادرون على معالجة مشاكلهم.
المخرج نيل بلومكامب.


آخر أمل للبشرية ليس بشريًا.
الـ Tag Line الخاص بالفيلم.


فكرة الروبوت المختلف عن أقرانه، الذي يكتسب خصائص بشرية مثل الرحمة والتعاطف، غير جديدة على السينما، وموجودة في نوعيات مختلفة. في فيلم أكشن عنيف مثل Terminator 2: Judgment Day  للمخرج جيمس كاميرون، أو في دراما خيال علمي مثل  A.I. Artificial Intelligence  للمخرج ستيفن سبيلبرج، أو في فيلم رسوم متحركة مثل WALL·E  لكنّها في Chappie  مُسخرة أكثر للطابع السينمائي المميز لمخرج الفيلم نيل بلومكامب.



الفيلم هو العمل الروائي الثالث فقط له بعد أفلام District 9 - Elysium،  ورغم هذا يُمكن بسهولة تحديد عناصر مشتركة. مبدئيا بلومكامب ابن بار وُلد من رحم الجرافيك والمؤثرات البصرية، التي عمل بها كمحترف طيلة ما يقرب من عقدٍ كامل، قبل أن يقدم أول أعماله كمخرج. وهو بالفعل أحد أبرع أبناء جيله من هذه الناحية، وربما أكثرهم قدرةً على صناعة فيلم مبهر بشكل مُكثف بصريا بميزانية أقل من المعتاد.


رؤيته عن المستقبل متشائمة وكارثية دوما (دستوبيا). ولديه قناعة تامة أن العالم يتجه للخراب بسبب سيطرة الكيانات والشركات الرأسمالية. في أعماله يوجد دوما رئيس شركة كبرى لا يُبالي بقتل آلاف البشر من أجل الأرباح أو المصالح. ولا يعادله في الفساد والشر، إلا رجل عصابات عنيف غريب المظهر.  


العالم دومًا فئتان معزولتان. فئة فقيرة مطحونة تتصارع على الفتات. وفئة ثرية قاسية تتغذى على استغلال وقهر الفئة الأولى. ولأنه من جنوب إفريقيا بالأساس، جرت العادة على اختيار جوهانسبرج كموقع أحداث لأفلامه. وهى مدينة تتميز بالفعل بالتفاوت الطبقي.



في Chappie  تدور القصة عن روبوت ضمن مئات من قوات الشرطة الآلية، يصبح نواة تجربة سرية لعالم شاب، يريد صناعة وعي آلي كامل أقرب ما يكون للوعي البشري، من حيث قابلية التعلم والتمييز واتخاذ القرارات الأخلاقية. لكن قبل أن تتم التجربة، يصبح الآلي الخالي من البرمجة، الأقرب لطفل حديث الولادة من حيث الوعي، تحت سلطة عصابة صغيرة تريد استغلاله وتدريبه لتنفيذ أعمال إجرامية.


بشكل ما يمثل  Chappie  مزيجًا من شخصيتين شهيرتين في هوليوود الثمانينات. الأولى الشرطي الآلي (نصف إنسان - نصف آلي) من فيلم المخرج بول فيرهوفن الشهير  RoboCop  الذي يقتبس منه بلومكامب أيضا بوضوح بعض التصميمات. والثانية الفضائي "إي تي" من فيلم سبيلبرج العائلي الأكثر شهرة  E.T. the Extra-Terrestrial.


المزج أمر ليس سيئا في حد ذاته، لكن المشكلة أن المزج انتقل إلى إيقاع الفيلم نفسه، الذي يتحرك أحيانا كفيلم أكشن شرس عنيف، وأحيانا أخرى كفيلم كوميدي فوضوي، بدون ترابط حقيقي أو تسلسل منطقي.



اختار بلومكامب صديق طفولته وممثله المفضل شارلتو كوبلي لأداء دور الروبوت، مستخدما تقنية الـ Motion Capture،  وقرر أن يمنح الشخصية طابعًا حركيًا وصوتيًا أقرب للطفل. مكاسب الطابع الطفولي بالإضافة للمرح، هى التعاطف الأكبر المضمون من المشاهدين، والسماح للشخصية بإظهار عواطفها وردود أفعالها بشكل تلقائي عفوي فوري باستمرار. لكن للأسف استنزف بلومكامب هذه الجزئية أكثر من اللازم في بعض المقاطع، فكانت النتيجة عكسية ومزعجة أحيانا.


الأسئلة والأفكار المُمكنة كثيرة جدًا هنا. هل يوجد فرق كبير بين الإنسان والآلة؟.. وإذا كان الفرق يتلخص في طريقة اكتساب وتحليل المعلومات، أليس من المنطقي إذًا أن نصل في النهاية لإنتاج وعي آلي، يفوقنا قدرة في النقطتين؟.. ما هى المشاعر وهل اختزالها للجنس البشري أمر صحيح، أم أنها ستنتقل للآلة يومًا ما؟.. كل هذه النقاط الشيقة تتوه وسط صراعات الفيلم.


بعيدا عن الآلي ذو الميول والعواطف البشرية الطفولية، اختار المخرج النقيض التام للباقين، وخلق شخصيات أحادية الجانب إلى حد كبير. سيجورني ويفر تقدم للمرة الأولى دورا هامشيا بدون أي معالم مهمة، وتنحصر مهمتها أغلب الوقت في إلقاء الأوامر بعصبية من خلف مكتب. وهيو جكمان يظهر في دور أكثر غرابة، يقدم فيه أسوأ أداء له منذ فترة. كلاهما لا يفيد الفيلم أو الدور، ولا يستفيد أيضا منه (باستثناء الجانب المادي طبعا). جكمان تحديدا كنجم يترك أثرًا سلبيًا على الفيلم، لأن جمهوره انتظر منه دورًا أكبر وأهم وأجود.



رغم هذا الضَعف والاضطراب في بناء الشخصيات والأحداث، الذي يُثير الشك في قدرات بلومكامب للمرة الثانية كسيناريست بعد فيلمه السابق Elysium، فإنه يُثبت هنا قُدراته كمخرج من جديد على المستوى البصري، مع الطابع المُوتر شبه التسجيلي والكاميرا المحمولة، وهى تركيبة يجيد توظيفها باستمرار. الجرافيك والأكشن كعادة أفلامه في القمة.


طبقا للمعلن مؤخرا، فمن المقرر أن يتولى تنفيذ فيلم جديد من سلسلة Alien، ويُمكن اعتباره بالفعل مخرجًا مثاليًا محنكًا ملائمًا للطبيعة الدموية العنيفة للسلسلة واحتياجاتها في الخدع البصرية، لكن حتى الآن يظل  District 9  الاستثناء الجيد الوحيد في تاريخه كسيناريو. وأتعشم أن يشاركه سيناريست أمهر في التحضير لـ Alien 5  المنتظر عرضه في 2017.


في النهاية يظل Chappie، رغم كل عيوبه، عملا طموح نسبيا مقارنة بأفلام الكوميكس المكررة مثلا، لكن لا يرقى للمنافسة نهائيا مع بداية بلومكامب الممتازة في District 9. ومن المؤسف أنه العمل الثاني خلال شهر واحد، الذي نرى فيه خطوة للخلف من مخرج واعد، بعد أن قدم الأخوان واتشوسكي فيلمهما Jupiter Ascending  أوائل فبراير الماضي.



باختصار:
الروبوت Chappie  كان في حاجة الى سوفتوير أفضل بخصوص القصة والشخصيات، بجوار الهاردوير الممتاز الدقيق في الصورة. 
 
لمتابعة الكاتب