التوقيت الأربعاء، 05 أغسطس 2020
التوقيت 10:15 م , بتوقيت القاهرة

عندما يكون الانحياز ضروريا للموضوعية

<p>سألني أحدهم سؤالا كاشفا للتسطيح الذي يتم به الترويج لمصطلحات مبتورة تصنع مسوخا فكرية بين الشباب، فقد كان سؤاله الاستنكاري لي: <span style="color:#FF0000;"> كيف  يُمكن أن تكون موضوعيا وأنت منحاز بحماسٍ مسبق  لما تُسميه الحداثة؟</span></p><p>فموضوعيته إذن أن تكون بلا انحيازات إطلاقا، فترى الإرهاب وجهة نظر والتخلف نمطا ثقافيا إلخ، وهذه مغالطة منطقية لأنه- ببساطة- فالموضوعية نفسها هي نتيجة انحيازات مسبقة لقيمٍ معينة، فلا يُمكن لشخص غير منحازٍ لقيمة رفض العنصرية مثلاً، أن  يكون موضوعيا عند معالجته للتمييز اللوني أو العرقي.</p><p>وبالمثل ترى جملا من عينة (كليبرالي يجب أن تتقبل كل الآراء)، برغم أنه  لا يُمكن قبول الآراء التي تهدم المنظومة الحامية لحرية الرأي كتلك المحرضة على العنف، وبرغم  أن قبول حق الآخرين في امتلاك رأيهم الخاص لا يعني بالضرورة قبول  مضمون رأيهم.</p><p>الإعلام ينقل الحقيقة إلى الناس، والحقيقة دائما نسبية، لهذا فإنّ نقل الأخبار حتى لو تم بحيادية ومهنية كاملة، فإنه يتأثر بالآراء الشخصية عند التحليل والاستنتاج وتكوين الصورة الكاملة، بل وحتى عند نقل الخبر أحيانا فالخبر قد يتلون بلون مصادره.</p><p>إذن لا يوجد إعلام غير منحاز، ولكن كل إعلام يجتهد  لإبعاد رأيه الشخصي عن مضمون الخبر فهو أكثر مصداقية، وكل إعلام ينحاز لقيم الحداثة أكثر فهو بالضرورة أكثر موضوعية؛ لأن موضوعية المعالجة أو التغطية نفسها بأكبر قدر ممكن هي نتيجة قيم معينة هي ذاتها  منتج من منتجات الحداثة، <span style="color:#FF0000;">هل تلاحظ لماذا تغيب الموضوعية وتحل مكانها آراء مؤدلجة في إعلام الإسلاميين أو اليساريين على حد سواء في أحيان كثيرة؟</span> هل رأيت فارقا  ملموسا بين (موضوعية) الجزيرة أو البرافدا  أو صوت العرب في الستينيات؟</p><p>قيم الحداثة هي  الأرضية والأساس  أصلا الذي يُمكن من خلاله قبول الاختلاف في الرأي، أما بدونها وبقيم القرون الوسطى مثلا،  فلن يكون المتاح سوى قيمة إبادة الغير أو استعباده ووضعه في مرتبة أدنى، وبالتالي فقبول انحياز البعض لهذا باعتباره مجرد خلاف في الرأي باسم الموضوعية هو إزالة للأرضية المشتركة التي تجمع الجميع، وتكريس لمنطق هؤلاء القروسطيين في تمجيد شريعة الغاب، والتي بالضرورة ستستدعي ردودا تستند لذات المنطق الغوغائي.</p><p>تلك إذن ليست موضوعية بل إعادة صناعة وترويج لقيم انعزالية تقوم على الكراهية، وتكون نتيجتها مزيدا من التعصب واللاموضوعية والعنف واستباحة الآخر.<br /> <br />ماسبق هو أمر ضروري  لتوضيح نقطتين :<span style="color:#FF0000;"> (1)</span> أن الحياد عند التعامل مع الإرهاب مثلاً ليس موضوعية بل انحياز للإرهاب، وأن الانحياز ضد الإرهاب هو الموضوعية بذاتها <span style="color:#FF0000;">(2)</span> أن الموضوعية هي عدم الانحياز للرأي الذاتي  وعدم القبول بإصدار حكم مسبق في موضوع معين بدون امتلاك وقائعه وتفاصيله، ولكنّها لا تعني مطلقا عدم الانحياز لقيم الحداثة.</p><p>دع عنك  إذن إعلام  الإرهاب والإخوان، ولكن معظم الإعلام الآخر حالته شديدة البؤس أيضا، والسبب في ذلك أنه لا يُملك قيما يدافع عنها، بل هو يدافع بمنطق تجميل القبيح باستمرار، الأمر شبيه بمحاولات (تحسين صورة الإسلام في الغرب) التي يتبناها البعض كبديل عن إصلاح الخطاب الديني، فهي محاولة لتجميل القبيح في عيون الآخرين  مع بقاء كل شيء على حاله، وليست محاولة لإصلاح القبح.</p><p>مشكلة هذا الإعلام أنه يحاول حشد الناس دون أن يؤمن  بمضمون قيم الحداثة أو تنعكس في أدائه؛ لهذا  فنتيجة أدائه هو خسارة أرضية واسعة  من النخب الأكثر تعليما وثقافة، الذين يجدونه إعلانا فاشلا لمنتج  غير جيد، يكتسب هذا الإعلام جمهوره  من بين بقية المواطنين، ويحشدهم عبر خطاب بدائي يعادي من تحتاجهم مصر بالضرورة لاستكمال السير في طريق الحداثة.</p><p>أكبر هزيمة تلقاها مشروع التحديث في العهد الناصري كانت بسبب أن المشروع قام على معاداة ضمنية لكل الأفكار والدول والسياسات التي قامت عليها الحداثة، فكانت النتيجة أنه بعد 1967 كانت الجماهير مبرمجة على عداء كل تلك الأطراف بحيث أصبحت قوى الظلام هي الأقرب لها  والأقل عداوة، فرجل الشارع حتى اليوم يعادي الغرب بدرجة أعلى من معاداة الرجعية والتخلف والإرهاب، بل أن أكبر دعاية تستخدم ضد الإخوان تأتي باعتبارهم عملاء للغرب أي باعتبارهم مندوب الشرير وليس الشرير نفسه.</p><p> بنفس طريقة (داعش صناعة أمريكية) التي تجعل أمريكا هي (الشيطان الأعظم)، وما "داعش" إلا منفذ صغير . إنها عقلية اختصرت منبع الشر في كل ثقافة وفكرة قد تساعده على النهوض، مما يؤكد أننا لم نستوعب أفكارا بسيطة كالتي طرحها طه حسين في كتابه<span style="color:#0000FF;"> (مستقبل الثقافة في مصر)</span> بعد.</p><p>دعنا نُقر أن مصر دولة عالم ثالث بما يعنيه ذلك من تواضع مستوى الفكر والمعرفة والتنظيم لدى الشعب والحكومة والنخب معا، ولن يكون الخروج من هذه الطريق عبر نخبة تتمسك برؤية حالمة تتجاهل الواقع  فهذه نخبة لا يُعتمد عليها، ولكن أيضا لن يكون عبر رؤية تتمسك بواقع بائس وتُصر عليه وتحاول إقناع الناس باستمرار بأنه لا يجب أن يطمحوا في ماهو أفضل، فقتل أمل الناس في التغيير يعني بالضرورة تفجير أساس الاستقرار المجتمعي، الخروج ممكن عبر رؤية ترى الواقع بدقة وتؤمن بالهدف المأمول بشدة وتسعى للتقريب بينهما بالوسائل المتاحة.</p><p>الدفاع عن قيم الحداثة يخلق جمهورا أوسع  يكون  مؤيدا  لها و لنظامٍ يتبناها عن قناعة وليس بحكم الضرورة، ويكون خصما للإخوان والأفكار الرجعية بالطبيعة وليس لأنهم (باعونا في محمد محمود وكانوا بيلعبوا لنفسهم بس وبيأننوا ) وفق منطق جهلاء السياسة المنتشرين على "فيس بوك" و"تويتر".</p><p>لا يُمكن توقع نتيجة إيجابية من إعلام يعادي  تنمية مناخ اقتصادي ناجح وجاذب سياحيا وصناعيا، لهذا فدور الإعلام الجيد الآن أن يتجنب الموبقات الثلاث: دعم الإخوان وبقية الإرهابيين، الادعاء المصطنع للبطولة والنفاق الثوري، الدفاع عن أخطاء الحكومة بإخفائها أو إنكارها أو تمجيدها.</p><p>الموضوعية إذن هي ثلاثة انحيازات: انحيازٌ للحداثة، وانحيازٌ ضد تلميع الذات على حساب الواقع، وانحياز للحقيقة .<br /> </p>