التوقيت السبت، 03 ديسمبر 2022
التوقيت 06:13 م , بتوقيت القاهرة

كرنفال بصري وفوضى روائية في Jupiter Ascending

في أوائل عام 1999 كان الكل في انتظار الجزء الجديد من سلسلة حرب النجوم Star Wars  باعتباره الطفرة التالية حتما في سينما المؤثرات والخيال العلمي. في مكان آخر انشغل الأخوان واتشوسكي بوضع الرتوش الأخيرة على فيلمهما الثاني فقط كمخرجين، والأول مع الميزانيات المرتفعة نسبيا. الفيلم الذي لم يهتم به أحد قبل بدء عرضه، لكن استحق بجدارة لقب "الطفرة" بعدها، ولمدة أعوام وأعوام تالية. الفيلم الذي حقق إيرادات غير متوقعة، وانتزع  4  جوائز أوسكار. الفيلم الطموح جدا على صعيد الأفكار والتنفيذ. الفيلم الذي نعرفه باسم  The Matrix.


باستثناء فيلم جيمس كاميرون الشهير Terminator 2: Judgment Day لا يوجد فيلم آخر في التسعينيات، صنع كل هذا التأثير. الاثنان نقطة فاصلة في تاريخ هذه النوعية. يوجد (ما قبل - ما بعد) مع اسم كلاهما.


الأخوان واتشوسكي صنعا بعد ذلك فيلمين آخرين من The Matrix حقق كلاهما نجاحا تجاريا ممتازا، لكن لم يُحدث نفس الطفرة، إضافة لكتابة سيناريو الفيلم الشهير V for Vendetta. صنعا أيضا فيلمين مهمين رغم فشلهما التجاري (Speed Racer - Cloud Atlas). وفي كل مرة ورغم أي سلبيات، لا يُمكن إلا لجاحد إنكار درجة الطموح الفني والإتقان في كل عمل. وهو نفس ما ينطبق على فيلمهما الجديد المعروض حاليا "صعود جوبيتر"  Jupiter Ascending  المتميز رغم كل عيوبه.



جوبيتر (ميلا كونيس) - وهو اسم كوكب المشترى - فتاة تعمل في مهنة متواضعة في نيويورك مع أسرتها، تصبح فجأة محور صراع شرس بين 3 أخوة من عائلة ملكية في أحد المجرات البعيدة، يريد بعضهم إنهاءه بقتلها. وتُقابل في أثناء الأزمة جندي مُخلق جينيا مُرسلا لحمايتها (تشانينج تيتوم)، لتبدأ رحلتها معه في محاولة لفهم علاقتها بهذا الصراع.


عشاق ثلاثية ماتركس، سيذكرون- على الأغلب- الإشارات الفكرية والفلسفية للعديد من القضايا، واللمحات الخاطفة التي يوظف فيها واتشوسكي ظواهر بسيطة نعرفها مثل الديجافو، لتصبح محطة لتفسير حدث درامي ما. أو الإسقاطات المباشرة الصريحة على قضايا مثل القدر وخلافه. وهو نفس ما يوجد في فيلمهما الممتاز Cloud Atlas  بشكل أكثر كثافة ربما. هذه الموهبة في زرع قضايا دسمة جدا، في أفلام خيال علمي ذات طابع جماهيري، كانت دائما أحد أسباب احترامي لـ  واتشوسكي.


من وقتٍ لآخر توجد بعض اللمحات من هذا النوع في Jupiter Ascending، عن الداروينية والجينات وغيرها، لكن إجمالا يظل الفيلم أقل دسامة، وأقرب إلى نوعية المغامرات الفضائية الخفيفة الشبيهة بـ Star Wars. وفي الحقيقة نقطة تذبذب الإيقاع بين الجدية والمرح، أحد مشكلتين رئيسيتين في الفيلم.



الإيقاع مضطرب إلى حدٍ كبير بسبب السيناريو. ولا يوجد طابع واضح واحد محدد. فلا هو فيلم المغامرات الفضائية المرح الخفيف على طراز Guardians of the Galaxy ولا هو فيلم الخيال العلمي الجاد على طراز  Interstellar. من السهل مثلا في Guardians of the Galaxy أن تتقبل شخصا في هيئة جذع شجرة، كجزء من المرح والإيقاع العام، لكن من الصعب جدا هُنا أن تتفاعل مع أداء جدي لشرير يعطي أوامره لسحالي عملاقة بجناحين!.. من السهل أن تتفاعل في Interstellar  مع حوار جاد على لسان ممثل عن القدر، لكن من الصعب جدا أن تتفاعل مع حوار من نفس النوع هنا، عندما تسمعه من ممثل أضاف له المكياج أذنين كبيرتين بشكل كوميدي.


المشكلة الرئيسية الثانية هي (ميلا كونيس). ميلا ممثلة جيدة أحيانا والدليل دورها في Black Swan، لكنّها في النهاية في أفضل حالاتها مع الأدوار الخفيفة من نوعية Ted. الدور هنا يحتاج إلى كاريزما وحضور قوي، باعتبارها الشخصية الحاضرة الساحرة محور الأحداث، حتى عندما تغيب عن الشاشة. ناتالي بورتمان كانت الاختيار الأول للدور، وهي اختيار مثالي بالفعل من واتشوسكي، لكنهما للأسف بعد اعتذارها، انتهوا بصناعة الفيلم مع ممثلة كانت ضمن عناصره السلبية.



زميلها تشانينج تيتوم أبهرنا العام الماضي بدور مميز ومختلف في Foxcatcher لكنّه هنا يعود لدوره المعتاد كالشاب الرياضي الوسيم، الذي يثبت بمرور الأحداث أنه أمهر وأمهر مما يبدو. الأهم من كلاهما إيدي ريدمن بطل فيلم The Theory of Everything الأقرب للفوز بأوسكار أفضل ممثل هذا العام. أداؤه لدور الشرير مختلف ومسلي، لكنّه بشكل ما في النهاية غير منسجم مع الفيلم ككل، خاصة في المشاهد التي تجمعه مع ميلا كونيس.


رغم كل هذه الفوضى الروائية والكثرة في الأحداث والشخصيات، يظل الفيلم محتفظا برونق بصري في القمة، كعادة أفلام واتشوسكي. تصميم الإنتاج.. الديكورات.. الملابس.. المؤثرات البصرية والجرافيك.. التصوير. كل عنصر من هؤلاء قمة في الإتقان، والأهم أنه منسجم تماما مع باقي العناصر، ليمنحنا الفيلم صورة خلابة مبهرة خاصة على شاشات الأيمكس. تكلفة الفيلم الإجمالية تقترب من 200 مليون دولار، وهو ما يجعل متوسط تكلفة الدقيقة مليون ونصف. الفاتورة الضخمة تظهر نتائجها كل ثانية على الشاشة.


الأهم من الإبهار الطموح والرغبة في التجديد. لا يوجد في الفيلم أو في مسيرة واتشوسكي عموما، تجمد إنتاجي وبصري على طريقة مايكل باي في سلسلة Transformers مثلا. ورغم عدم وجود طفرات تقنية حقيقية على غرار Bullet time  التي وظفها الأخوان في The Matrix، أو استخدام جيد ومنتظم لتقنية الـ 3D ، ستجد من وقت لآخر مشهد أكشن ما مبهر. أفضلهم على الإطلاق مشهد المطاردة التي تدور في نيويورك، بينما يحمل البطل طائرا جوبيتر على ظهره، في مزيج ممتاز من الحدة والسرعة والعنف والإبهار. من المؤسف أن باقي مشاهد الأكشن لاحقا كانت أقل شأنا.



على كل صعود جوبيتر يعكس بشكل ما هبوطا مستقبليا في وزن الأخوين واتشوسكي. الفيلم تأجل عرضه من صيف 2014  لفبراير 2015  تحت مبرر استكمال مراحل ما بعد التصوير، لكن السبب الحقيقي يعود غالبا للرغبة في الهروب من المنافسة الصيفية، بعد ردود الأفعال الضعيفة مع إعلانات الفيلم. رغم التأجيل فمن الواضح حاليا أن الفيلم سيصبح ثالث محطة على التوالي مع الإخفاق التجاري للأخوين. من الآن فصاعدا لن يكون من السهل، الفوز بثقة استوديو ضخم لتمويل مشاريع أفلام بميزانيات تتجاوز الـ 100 مليون دولار.


هذا حدث مؤسف بكل تأكيد. في هوليوود الحالية التي يلهث فيها الكل لصناعة فيلم مقتبس من شخصية كوميكس، أو لاستكمال سلاسل قديمة، يظل واتشوسكي ضمن فريق محاربين مميز يضم أسماء أخرى معدودة، على رأسها كريستوفر نولان، في كفاح مستمر لتقديم أعمال جديدة عالية التكلفة لا تخلو من طموح واضح كل مرة على المستوى الفكري والبصري. ومن المؤلم جدا أن نرى أحد أهم أفراد الفريق في الطريق للخروج من الملعب.


هل نأمل في عودتهم يوما ما؟.. هل الميزانيات الأقل فرصة للتجربة والتميز في نوعيات أخرى؟.. هذا سؤال متروك للزمن، لكن شخصيا حتى الآن لم أرَ في تاريخ واتشوسكي الفني كله عملا يستحق أن يوصف بالسيئ. وسأشتري بثقة من جديد تذكرة الفيلم التالي أيا كان نوعه.



باختصار:
الأخوان واتشوسكي يعودان بعمل طموح يعكس فوضى روائية، تم إخراجهما في كرنفال بصري مُحكم ومُبهر إلى أقصى درجة. لا أؤمن بجدوى "الفوضى الخلاقة" في عالم السياسة، لكن حاليا أؤمن به نسبيا في عالم السينما بعد الفيلم!


للتواصل مع الكاتب