التوقيت الإثنين، 17 ديسمبر 2018
التوقيت 08:56 ص , بتوقيت القاهرة

مقطع من رواية "خلف العتمة" لسليم اللوزي

يستعد الكاتب سليم اللوزي لتوقيع روايته الجديدة "خلف العتمة"، ضمن فعاليات معرض القاهرة الدولي للكتاب، يوم الجمعة 6 فبراير 2015، ابتداءً من الثالثة ظهرا، في جناح شركة "المطبوعات للتوزيع والنشر".


"خلف العتمة" تعد الرواية الثانية بعد "ذبائح ملونة"، وهي رواية مفتوحة على عوالم تمزج الواقع بالمتخيل بلغة هذيانية وحلمية تغيب فيها المقومات الكلاسيكية للرواية، يجتهد باحثا عن صوته الخاص في الرواية الوعرة وإرثها الطاغي لبنانيا وعربيا.


المقطع


"الساعة السادسة صباحا. ضوء النهار يشقّ طريقه في عتمة السماء ببرودة. ألمٌ حاد في الرقبة أيقظني. لا أزال على الكرسي الهزّاز منذ أمس. الأضواء مطفأة في البيت. هدوء حذر في الخارج، تغالبه أصوات أبواق الباصات والسيارات التي بدأت يومها باكراً بين الحين والآخر. من خلف زجاج الغرفة كنت أراقب «الجرّاح» يترنّح يمينا وشمالا، يحاول عبور الشارع الفاصل بين منطقة «عين الرمانة» و«الشياح». ثيابه مبلّلة ومتّسخة. أشعث الشعر. يحمل سيجارته في يمينه. يتكئ على السيارات المركونة قرب الرصيف. برودة الليل تتبدّد مع دخول أشعة الشمس الخجولة الفضاء. يحاول عبور الشارع. يقف في منتصف الطريق. يرفع يده ويوقف سيارة آتية من البعيد. يفقد توازنه. يقرفص ويضع يديه وركبتيه على الأرض. يتقيأ ما في جوفه، تتخطّاه السيارة ببطء. يبصق ما بقي في فمه، ويحاول النهوض. يضع يده في قيئه فيتزحلق. يرتطم وجه بالأسفلت. يختلط الدم مع القيء. يشتم الآلهة. يرتفع بوق سيارة تقف أمامه. لا يأبه. يحاول السائق تخطيه، يعود إلى الخلف ثم يوجّه إطاراته إلى اليسار عبر المقود ويمضي.
يشاهد المارة «الجرّاح» يتخبّط في مكانه دون اكتراث. يقف بعد محاولات باءت بالفشل. يمسح يديه بثيابه، ويضع طرف قميصه على جرحه النازف، ويختفي بين عشوائية المباني الموزّعة على طول شارع «عبد الكريم». رائحة البن تفضح استيقاظ زوجتي. في المطبخ قبّلتها على جبينها، بعد أن ألقيت تحيّة الصباح: انتظرتك بالأمس، لكنك تأخرت، فنمت. تأخرت في عملي، كان عليّ إنجاز كثير من الأعمال. تبتسم زوجتي، فهي الوحيدة القادرة على فضحي حين أكذب: عافاك اللَّه. أبتسم وأنسحب إلى المغسلة. لحظة اختراق ذرات الماء مسامّ وجهي النائم، تذكّرت وصية الشيخ «عبد الغفور»: «هذه المياه من الأراضي المقدّسة، والتربة أيضا. ضع فمك داخل كوبٍ وأتلُ الآية القرآنية بصوتٍ عالٍ، ثم اخلط قليلا من هذا الماء مع هذه التربة، وامسح بهما وجهك ومكان قلبك». لا تزال التعويذة في جيب معطفي الذي علّقته على مشجب المعاطف عند مدخل البيت. طعم معجون تنظيف الأسنان يلهب لثّتي ولساني. أمضمض بالماء وأبصق. غيومٌ رمادية استوطنت السماء ومنعت أشعّة الشمس من الاستمرار في تسلّلها.
في الباص كل شيء ملبّد. السماء والوجوه والأبنية. ابتسامات خجولة توزّع متى التقت العيون بعضها ببعض. زحمة السير مقبولة. المدارس مقفلة تحضيرا لعطلة فصل الربيع. يأتي الباص من الضاحية الجنوبية لبيروت، يمرّ بالأحياء الفقيرة المتراصّة بعضها على بعض. يسكن هذه الأحياء أهل الجنوب الذين هربوا من غطرسة العدوّ الإسرائيلي واحتلاله أرضهم منذ عام 1978 حتى انسحابه وتحرير الأرض في العام 2000. بعد التحرير، أكثر الأهالي ظلّوا في الضاحية الجنوبية التي احتضنتهم خلال اثنين وعشرين عاما من الاحتلال، فأنشأوا أعمالهم، واستقرّوا فيها. يمر الباص أيضا على الخط الفاصل بين «عين الرمانة» و«الشياح»، متّجها إلى «مستديرة الطيونة» و«ميدان سبق الخيل» ومنطقة «رأس النبع». أترجّل عند النقطة التالية، نقطة «بشارة الخوري» ليكمل الباص طريقه نزولا نحو «ساحة الشهداء»، قبل أن يلتفّ ويتّجه نحو «شارع الحمرا» الرئيسي قبل أن يقف عند المحطة النهائية في منطقة «مستشفى الجامعة الأمريكية». استقل الباص الآتي من «الملاّ» باتجاه «البسطة» والمتّجه إلى «ساحة ساسين» مرورا بـ «السوديكو» وطلعة «مستشفى رزق». أسلك هذا الطريق بانتظام طول أيام الأسبوع الخمسة. في حين تستقل زوجتي سيارة أجرة تقلها من بيتنا إلى منطقة «كراكاس» الواقعة على التلّة المواجهة للبحر، قبالة المسبح العسكري. «غسان» ينتظرني في المكتب. ما إن سمع صوت إغلاق باب المصعد حتى انتصب عند الباب. بابتسامة مُفتعَلَة استقبلني، ألقيت تحيّة الصباح وانصرفت لأضع حاجياتي على مكتبي".