التوقيت السبت، 02 يوليه 2022
التوقيت 03:29 م , بتوقيت القاهرة

رحلة إلى المطبخ العربي (2)

كنا نقول إنّ الوطن العربي، يتميز بالعديد من المطابخ المختلفة والمتنوعة، والغنية جدًا بأفكارها وقيمها الغذائية، كما يوجد به العديد من المطابخ التي تُرجح كفة الطعم على حساب القيمة الغذائية.


تحتوي مطابخ الوطن العربي على أطباق تخص كل بلد وتميزه، كما يتحكم تاريخ البلد وحضارته في مطبخها أيضًا، فيرجع أصل الكثير من الأطباق المصرية المشهورة إلى الدولة الفاطمية، ويرجع أصل الكثير من أطباق المغرب العربي إلى الأمازيغ وحضارتهم مثلًا، وهنا نكمل رحلتنا إلى مواقع أخرى ومطابخ نائية لنستكشف تاريخ الأطباق والطعوم.


بلاد الشام أو سورية الكبرى
الكبة، الكبدة بصوص دبس الرمان، حلوى تسمّى كل وأشكر، والتبولة وغيرها، هي أطباق المطبخ الشامي الذي يعبر عن بلاد الشام، والتي عرفت قديمًا بسورية الكبرى، أو سورية الطبيعية، والتي انقسمت الآن إلى البلدان: سوريا، الأردن، لبنان، فلسطين، والعراق.



ولهذا التاريخ الموحد اتفقت غالبية المطابخ في هذه البلاد على عادات متشابهة فيما يخص المأكل والمشرب، ولكن أيضًا هناك اختلافات وتنوعات تخص كل مطبخ على حدا. فمثلًا، تختلف وجبة "المجدرة" في سوريا ولبنان عنها في الأردن وفلسطين. أما "المنسف" وهو أشهر أطباق أهل الأردن، ويتكون من لحم الضأن، صوص الجميد والأرز، أو البرغل، يمكن ألا يظهر تماما في بعض بلدان الشام الأخرى.


جرت العادة على صب اللبن والسمن البلدي فوق المنسف عند الأكل، ويؤكل باليد وليس بالملعقة.


وبشكل خاص، يتميز المطبخ اللبناني بلمسات من الرقي والجمال مستوحاة من المطبخ الأوروبي، ويعرف باهتمامه بالنشويات ، الفواكه، الخضراوات، والأسماك المختلفة. وهو مطبخ عريق، تأثر بالمطبخ العثماني، المطبخ الفرنسي، والمطابخ العربية. وجزء من المطبخ الشامي، ويعتمد على الموارد الطبيعية الطازجة التي تلوّن الوجبات وتعززها في وقت قصير غير مجهد.


المأكولات الشعبية اللبنانية كثيرة ومتنوعة وتتميز بالبساطة والجمال، سهولة التحضير والهضم، كما تحتوي على العناصر الغذائية الهامة لجسم الإنسان؛ منها، الفتة، الأوزي، الفلافل، والحلويات الشعبية كالقطايف والعوامة (لقمة القاضي).


بحكم الأحداث والظروف السياسية، ظهرت مؤخرًا ألوان من الأطباق السورية في المجتمع المصري، فتعرفنا على بعض مكونات مطبخهم. والمطبخ السوري يرجع تنوعه إلى تنوع الطبيعة السورية نفسها، وتميز كل مدينة بها عن الأخرى بعادات وتقاليد ومطابخ مختلفة. يشتهر المطبخ السوري عمومًا بالمشويات المميزة والكباب الحلبي والكبة والفطائر والمعجنات.


ويحتوي على الكثير من الأكلات الشهيرة في بلاد الشام، كالتبولة، الحمص، ورق العنب، المجدرة، الشاورما، الفتوش، واللبنة. ويمثل المطبخ السوري ثقافات الحضارات المختلفة التي انتشرت في سوريا، خاصةً مع بداية الفتح الأموي، مرورًا بالعباسيين ونهايًة بتأثر قوي بالمطبخ العثماني.


منحت الأكاديمية الدولية لفن الطهي بفرنسا مدينة حلب جائزة الطهي في عام 2007. وأسهمت المجتمعات المتنوعة في حلب وتكونها من عرب، أكراد، أرمن، شركس، وعدد لا بأس به من السكان المسيحيين في تنوع وغنى المطبخ الحلبي، وعاداته.


ويقال إنه لما كانت حلب جزءا من الدولة العثمانية، كان سلطان إسطنبول يرسل الطاهي الخاص به ليتجسس على جديد المطبخ الحلبي، وما أتت به القوافل.


الخليج
يرجع اختلاف الثقافات في هذه المنطقة من جهة، أنه بعد ظهور الإسلام وغزو بلاد فارس والبلقان وشمال إفريقيا، كان من الممكن للتجار السفر والتواصل مع المطابخ المحلية المختلفة، التأثير فيهم والتأثر بهم. وكان العرب يأخذون الطعام واللحوم إلى الأماكن التي يسافرون إليها أو يقومون بغزوها مثل بلاد فارس والبلقان ويتعرفون على مطابخهم أيضًا.


واعتمد سكان الخليج العربي في الأصل على التمور والقمح والشعير والأرز واللحوم، كما اعتمدوا أيضًا على منتجات الألبان. وأدى التعامل مع الحضارات الأخرى كالفارسية والرومانية والعثمانية إلى استلهام مكونات جديدة لأطباق الخليج العربي.


يحتوي المطبخ الخليجي على العديد من المطابخ، أولهم، مطابخ سكان الساحل الشرقي لشبه الجزيرة العربية. تعتبر الأسماك عنصرا أساسيا من مكونات مطابخ سكان الخليج، وتؤكل عادة مع الأرز، ومن الأطباق المميزة لهذه المنطقة أيضًا الهريسة، وتتكون من اللحم والقمح، ومعروف أن النبي محمد أنه كان يأكلها. كما أن طبق "الهريسة" يميز العائلات الغنية، ويؤكل في رمضان والعيد وولائم الأفراح ويوزع على الجيران الفقراء.



كما يختلف مطبخ الساحل الشرقي لشبه الجزيرة العربية عن مطابخ المناطق الأخرى. ولكن تتميز عمومًا مطابخ هذه المنطقة باستيعابها لمفهوم الضيافة والكرم، تقديس الوجبات كطقس من طقوس الأسرة يبعث بالدفء والتلاحم الأسري، دائمًا ما تحتوي المناسبات المتعلقة بالأكلات على كميات كبيرة من الأكل بمختلف أنواعه.


ومن الأمثلة على المطبخ الخليجي المطبخ الكويتي مثلًا، ويقال عنه إنه جنة محبي الطعام، أسهم الاختلاف والتنوع الإثني الكبير في سكان الكويت إلى تنوع عناصر الغذاء الموجودة في الأسواق وكثرة عددها وأنواعها.


يعكس المطبخ الكويتي تاريخ الكويت والقبائل والمهاجرين، والتقاليد المتعلقة بالتجارة الدولية البحرية والصحراوية. كما أنه خليط فريد من تأثيرات البدو، الفارسيين، الهنود، وسكان البحر الأبيض المتوسط.
في البداية، كان "الطبيخ" أو الطريقة البدوية للطهي، هو السائد، ويتم من خلاله طهي وجبة كاملة في وعاء واحد كبير على الفحم، ترص اللحوم أو الأسماك مع الخضروات في التوابل أولاً في الجزء السفلي من الوعاء، ثم يتم إضافة الرز أو القمح مع الماء، ثم يغطى الوعاء ويترك لينضج لبعض الوقت. ولا تزال تستخدم طريقة الطهي هذه في البيوت الكويتية.


أما المرق فهو الأكثر تعقيدًا، جاء نتاجًا للتأثير الهندي والفارسي، لعمل المرق يتم قلي أو سلق المكونات كل على حدة أولاً ثم يتم مزجهم بعد ذلك ليتم الطهي على البخار. تحظى أنواع كثيرة من مرق اللحوم والأسماك بشعبية كبيرة في البيوت والمطاعم الكويتية.


لإرضاء الذوق الكويتي، يجب المزج في الأطباق بين التوابل بفن معين ومشهور، ومع ذلك، لا يتفق اثنان على نفس التوليفة من الحبهان، القرفة، القرنفل، الكزبرة، الكمون، الزنجبيل، جوزة الطيب، الفلفل الأسود، والفلفل الحلو.


ومن الخليج أيضًا أحببت أن أتعرف على المطبخ الإماراتي، يُعرف الإماراتيون بكرم الضيافة وتقديم القهوة والتمور الطازجة لضيوفهم. مع وجود السكان المهاجرين أتت المطاعم التي تقدم الأطعمة العرقية والأطعمة السريعة والتي حظت بشعبية واسعة. قبل الستينات، كان يتكون طعام الإمارات بشكل أساسي من الأسماك، الأرز، الخبز، التمر، الألبان، الخضروات المحلية، ولحوم الأغنام والماعز والإبل. تحسن النظام الغذائي من حيث الجودة والتنوع، مع جود الأسواق الحديثة التي تقدم الأطعمة المستوردة. أما الوجبة الرئيسية وهي الغداء، وتتكون عادة من الأسماك والأرز، أو اللحوم وطبق من الخضروات.


هنا نكون قد وصلنا إلى نهاية جولتنا في مطابخ بلدان الوطن العربي وتعرفنا على تاريخ ومكونات بعض من الأطباق التي تتميز بها، ولكن الحديث عن الطعام لا ينتهي، ولا تقل متعته، وبالرغم من كونها مجرد أطباق تحتوي على مكونات تفاعلت من أجل خلق منتج شهي، فخلف كل طبق تعرفه أو تتخيله قصة طويلة وحضارة وتاريخ أيضًا.