التوقيت الأحد، 12 يوليه 2020
التوقيت 11:54 م , بتوقيت القاهرة

شرم الشيخ مع تمنياتي

ظهر أخيرًا اليوم 8 فبراير، الكليب الدعائي للمؤتمر الاقتصادي، المُقرر انعقاده في شرم الشيخ، وبدأت بعض القنوات المصرية بثه. لا بأس ظهور متأخر، خير من عدم الظهور بالمرّة، كان أملنا أن يكون هذا الكليب منتشرًا على محطات فضائية عالمية كبلومبيرج وCNBC وليس قنوات محلية مصرية فقط، على الأقل منذ مطلع يناير الماضي، مصحوبًا بحملات ترويج مدفوعة، تقوم بها شركات PR دولية محترفة، ولقاءات مع كبار مقدمى برامج الاقتصاد والمال، نستغل فيها وجوهًا اقتصادية عالمية مضيئة، كالدكتور محمد العريان وآل ساويروس وغيرهم.


 وأظن أن وجهًا دوليًا مرموقًا كالدكتور البرادعي كان سيعلو في نظري مراتب لو تجاوز حساسياته السياسية وأسهم في الترويج لمصر إعلاميًا من خلال هذا الحدث النادر، ولكن قاتل الله السياسة التي ألجمت يا دكتور عن وطن يرجو التفاتة منك. كما قلت أن تأت متأخرًا خير من أن لا تأت.


كمواطن بسيط لا يدعي كثير معرفة، ولديه تمنيات يرجوها من وراء هذا الحدث الكبير، لا أتمنى أن يُختزل المؤتمر في شكل معرض ترويجي، نعرض فيها على الزبائن (المسثمرين)، حزمة من المشروعات والفرص الاستثمارية، غاية أمانينا أن يتم تسويقها وقبولهم تنفيذها، وإن كان بالطبع ذلك هدفا أساسيا ومطلوب إنجازه من المؤتمر، كما أنني لن أتمادى بالحلم، لأتصور المؤتمر، وقد تحول إلى مشروع مارشال جديد لبناء مصر كالذي أقال ألمانيا من عثرتها بعد الحرب العالمية الثانية، إذ لا الظرف الدولي ولا حسابات الدول الكبرى والمانحين الإقليميين يسمحان بذلك.


بل دعوني أكون أكثر صراحة، إذ حتى الأصدقاء الذين ترتبط مصالحهم وأمنهم القومي بمصر على استعداد لتبني هذا الطرح لحسابات سياسية عدة. فارق كبير بين من يريد مصر مستقرة، وقد تجاوزت حد العوز، ومن يريد مصر قوية ناهضة مسموعة في محيطيها الإقليمي، تمارس دورها المعهود في ضبط إيقاع مجالاتها الحيوية، الثلاث العربية والمتوسطية والإفريقية، ولهذا حديث آخر في سياقه.


بدون مواربة شعرت وأنا أطالع تقارير صحفية عن حزمة المشروعات التي ستُعرض على المشاركين، أن ما يدور عنه الحديث من أهداف المؤتمر، ربما أقل من التوقعات ربما بسبب المبالغات الإعلامية التي صورته للناس كحصالة مانحين. لا أدري ربما كانت تصوراتي مبالغاً فيها، وأنا أرى المؤتمر فرصة لترويج هذه الجغرافيا الفريدة، بوصفها "إكسبو" دائم للعالم، يستطيع جذب جزء كبير من التجارة العالمية وحركيتها من مراكزها التقليدية بسنغافورة وهونج كونج وجبل علي إلي مصر، وتحديدًا إلى أثمن بقعة استثمارية في العالم بحسب توصيف البنك الدولي نفسه وهي مثلث شرق التفريعة ببور سعيد ومحور قناة السويس.


كنت أتمنى أن تتقدم مصر للعالم بباكيدج كامل، يتضمن بجانب حزمة المشروعات، وتعديلات قانون الاستثمار؛ ببيئة اقتصادية وحاضنة تدوال أعمال وأموال كاملة لتوطين المشروعات متضمنة أسواق تصريف متعطشة علي مرمى البصر في مصر وإفريقيا، وأسواق أخرى تنتظر أن ينقشع دخان البارود لتعلن عن نهمها للاستهلاك.


بنظرة على المشروعات المعروضة، مازلت أتمنى أن لا يكون هناك تركيز كبير، على الاستثمار الريعي السهل الذي لا يؤسس لقيمة معرفية وتصنيعية مُضافة، أو ما يعرف بال KNOW HOW، لا أتمنى أن ينتهي بنا الحال إلى جذب استثمارات أغلبها موجه إلى النشاط العقاري وبيزنيس الكومباوندات وملاعب الجولف ذو الأرباح الهائلة السريعة في مصر والتدوير الاقتصادي السريع، الذي يتجاوز أحيانًا منطق السوق، إذ مازال الخبراء يتعجبون من تجاوز سعر شقة في كومباوند بصحراء القاهرة 2 مليون جنيه، وقد قال لي أحدهم مازحًا يشتري هذا المبلغ بيتا كبيرا بحديقة في ولاية فلوريدا فبيزنيس العقار في مصر يخلو من أي منطق.


دعونا ننتظر أن يكون المؤتمر فرصة لتوطين التكنولوجيا بمصر، وتعظيم القيمة المضافة اقتصاديًا ومعرفيًا، بصراحة أكثر أتمنى أن يرتبط منح الفرص الاستثمارية والتسهيلات، بتأصيل اقتصاد الابتكار والتجويد، لا يُعقل أن نبقى مجرد محطة تجميع كبيرة، واقتصاد تربيط مفتاح لمنتجات الغير، من يستثمر لابد أن يكون عليه التزام بإنشاء المصنع وبجواره مركز الأبحاث والتدريب الراقي لنقل التكنولجيا، حتى نستطيع أن ننتقل إلى مرحلة خلق تكنولجيا مصرية في المستقبل.


جميل أن تصنع "سامسونج" حواسيبها وأجهزتها الذكية بمصر، والأجمل أن تنشئ "سامسونج" مع المصنع مركز ابتكار وأبحاث يتعلم ويتدرب ويساهم فيه الصُناع المصريون. رائع أن تستثمر شركة في محطات إنتاج الطاقة الشمسية، والأروع أن يتعلم المهندسون والباحثون المصريون منها تقنيات تصنيع الخلايا والمستقبلات اللوحية ووحدات معالجة الطاقة.


المؤتمر الاقتصادي فرصة نادرة التكرار، علينا العمل علي الاستفادة منها على النحو الذي يخلق مجتمع أعمال حقيقي، وحاضنات تطوير وابتكار موازية ومتفاعلة من خلال بيئة جاذبة علي نحو دائم، لا ترتبط بالحكومات وتغيرها، كما قلت "إكسبو" دائم ومتجدد الفرص. لا أريد أن ينتهي المؤتمر إلى حصيلة هائلة من السمك والجمبري وقواقع البحر، ثم ينفض ويتركنا دون أن نتعلم كيفية صيدها مرة أخرى.