التوقيت الأربعاء، 27 مايو 2020
التوقيت 01:54 ص , بتوقيت القاهرة

في عالم مواز.. كربلاء حصن العراق المنيع

 


"حرب ضروس" يخوضها العراق لطرد تنظيم "داعش" من المناطق التي ينتشر فيها، بمحافظات نينوي وصلاح الدين وديالي وكركوك، وفيما تستمر العمليات في الأنبار لمواجهة التنظيم، تقف مدينة كربلاء "في عالم مواز"، آمنة وصامدة في وجه مسلحي التنظيم.


وها هي المقرات العسكرية للقوات الأمنية العراقية والحشد الشعبي، تنتشر على طول الشريط الحدودي بين محافظتي كربلاء والأنبار، بحسب وكالة الأنباء الفرنسية "أ ف ب"، بينما تفرض نقاط التفتيش إجراءات صارمة، تحسبا لأي محاولة من عناصر التنظيم للتسلل إلى المدينة، التي باتت ملاذا آمنا للنازحين.


صد ورد


"كربلاء"، المدينة الشيعية الواقعة وسط العراق، على بعد 105 كيلومترات إلى الجنوب الغربي من العاصمة بغداد، كانت هدفا لـ"داعش"، منذ سيطرته على الموصل، في يونيو من العام الماضي، وإعلان دولته، وخرج المتحدث باسم التنظيم، أبومحمد العدناني، يدعو مسلحيه إلى الزحف نحو كربلاء، إلى جانب النجف وبغداد.


فما كان من إيران، الدولة الشيعية، إلا أن صرح وزير داخليتها، عبدالرضا رحماني فضلي، في وقت لاحق، بأن الرئيس حسن روحاني، يعتبر سقوط مدينتي كربلاء والنجف (المقدستين عند الشيعة) في أيدي التنظيم "تجاوزا لخط أحمر"، مشيرا إلى أنه إذا حدث ذلك "فلا محدودية للعمليات الإيرانية".


من جديد، ومع اقتراب ذكرى إحياء شيعة العراق لـ"عاشوراء"، اليوم الذي قتل فيه الحسين بن علي حفيد النبي محمد في معركة كربلا، هدد أنصار التنظيم باستهداف المراقد الشيعية في المدينة.



وفي تحد واضح، احتشد مئات الآلاف من الشيعة في كربلاء لإحياء ذكرى "عاشوراء"، في سلسلة مناسبات توجتها مسيرة ضخمة في ذكرى الأربعين، قدر عدد المشاركين فيها بالملايين، سيرا من بغداد إلى كربلاء (170 كلم جنوب)، حيث مرقد الإمام الحسين، وسط إجراءات أمنية مشددة من قبل قوات الأمن العراقية، مدعومة بعناصر من الحشد الشعبي، تحسبا لوقوع هجمات.


ومع حصار مئات المسلحين من تنظيم "داعش" بلدة عامرية الفلوجة، المتاخمة لحدود كربلاء الإدارية، وعلى بعد 20 كيلومترا إلى الشرق من "العامرية"، بدأ العراقيون، في مارس الماضي، حفر خندق طوله 45 كيلومترا في مدينة كربلاء، بهدف حمايتها من أي تهديد من قبل "داعش"، الذي هدد باقتحامها بعد طرد الشيعة من المناطق السنية.



كربلاء آمنة


وردا على تهديدات "داعش" التي لم تتوقف باقتحام المدينة، قال قائد عمليات الفرات الأوسط، اللواء الركن قيس عبدالكريم، في تصريح له عقب اجتماع عقده محافظ كربلاء، عقيل الطريحي، في 3 أبريل الماضي، إن "كربلاء آمنة بأهلها ومقدساتها، وهناك عمل كبير جدا وعمليات استباقية تقوم بها القطاعات الأمنية".


أضاف عبدالكريم أن "هناك تنسيقا عاليا بين قوات وزارتي الداخلية والدفاع والحشد الشعبي، وتغييرات كثيرة على الأرض من خلال إنشاء العديد من المواضع الدفاعية".


من جانبه، اعتبر محافظ كربلاء، عقيل الطريحي، الأنباء عن عزم "داعش" الدخول للمحافظة بأنه تهويل إعلامي، موضحا أن المحافظة اتخذت كل احتياطاتها ومستعدة أمنيا لمواجهة التنظيم.


فيما توعد مسؤول منظمة بدر في كربلاء، حامد صاحب الكربلائي، في بيان له، بجعل صحراء الأنبار مقابر جماعية لعناصر "داعش" إذا ما حاولوا التسلل إلى مدينته، موضحا أن التنظيم يبعد عن كربلاء ما بين 180 - 200 كم.



ومع سيطرة تنظيم الدولة على أجزاء واسعة من مدينة الرمادي، مركز محافظة الأنباء، منتصف أبريل الماضي، أجبر الأهالي على مغادرة منازلهم، فكانت كربلاء ملاذا آمنا للآلاف من نازحي الرمادي.


ولم تكن هذه المرة الأولى، فلطالما تدفق العديد من النازحين الذين فروا من بطش "داعش" إلى كربلاء، بما فيهم الأقليات الدينية والعرقية من شمالي العراق.


وعيد جديد


وبإكماله السيطرة على مدينة الرمادي، قبل أسبوعين، عاد تنظيم "داعش" إلى تهديداته، في تسجيل صوتي منسوب إلى زعيم التنظيم، أبوبكر البغدادي، بأنه بعد الرمادي سيأتي دور كربلاء والنجف وبغداد، تزامنا مع تناقل بعض وسائل الإعلام تقارير صحفية تفيد بأن أبا عمر الشيشاني، وهو أحد قادة داعش في الموصل، خاطب عناصره المحتفلين بسقوط مدينة الرمادي بقوله "إن كربلاء ستخضع لسيطرة التنظيم عقب عيد الفطر المقبل".


ووعيد مضاد


هذا التهديد، وصفه زعيم التيار الصدري في العراق، مقتدى الصدر، في بيان له، بـ"الجدي"، داعيا إلى حماية المدينة ومقدساتها بالغالي والنفيس، متوعدا في الوقت ذاته بـ "ملئ" أرض العراق بجثث من يمد يديه ضد أي مقدس.


وعيد الصدر، سبقه تأكيد من وزير الدفاع العراقي، خالد العبيدي، قبيل سقوط كامل الرمادي، بأن محافظة كربلاء آمنة ومحاطة بأطواق أمنية خارجية، مشيرا إلى أن الطائرات العراقية تغطي أجواءها على مدار الساعة.


فيما نقل موقع "إرم" الإماراتي عن مصادر عراقية شيعية مطلعة، أن إيران جمعت 100 ألف متطوع إيراني لتشكيل قوة عسكرية أطلق عليها "درع كربلاء"، يأخذ على عاتقه الدفاع عن المحافظتين العراقيتين النجف وكربلاء، حال مهاجمة تنظيم داعش لهما.


حياة طبيعية


في "كربلاء"، يوجد مركز تسوق كبير، وفنادق شاهقة الارتفاع، وعلامات تعلن عن تطورات باهظة الثمن.


وفي فبراير الماضي، أعلنت حكومة كربلاء، عن افتتاح المرحلة الأولى من معمل (شمس كربلاء) الاستثماري لحديد التسليح والمقاطع، لتغطية 20% من حاجة البلاد عند اكتمال مرحلته الثانية.


لماذا كربلاء؟


الأهمية الإستراتيجية للمدينة بالنسبة لـ"داعش"، بحسب مراقبين، تكمن في سعيه الدائم لتأجيج الصراع المذهبي، من أجل الحفاظ على وجوده واستمراره، فباستدراجه شيعة كربلاء المسلحين للقتال ضد السنة، يتفكك الجيش والحشد الشعبي والقبائل السنية، الذين اتحدوا لمواجهته، فيما يحصل التنظيم على المزيد من الدعم والحواضن الجغرافية والاجتماعية في المدن السنية الكبيرة داخل العراق.


سر قوتها


وبحسب مراقبين للشأن العراقي، التنظيم لم يفلح في تجنيد عناصر له من داخل المدينة، ولا عجب في ذلك وأن عقيدة "داعش" تستهدف كل ساكنيها من "الشيعة"، التي تصفهم في بياناتها بـ"الرافضة" بلا استثناء، ما من شأنه دفع السكان المحليين إلى الاستماتة في الدفاع عن حرمهم وأعراضهم ودمائهم.


يأتي ذلك فضلا عن وجود الآلاف من عناصر الحشد الشعبي من منتسبي حركات بدر والتيار الصدري وعصائب أهل الحق وحزب الله العراق، في حالة تأهب قصوى لمواجهة "داعش"، لا سيما أنهم مدعومون من إيران، التي لم تخجل من إعلان دخولها الأماكن المقدسة لدى "الشيعة" لحمايتها، حال وجود تهديد لها.