التوقيت الأربعاء، 12 أغسطس 2020
التوقيت 11:53 م , بتوقيت القاهرة

وهم المصالحة مع الإخوان (1)

يتصور بعض المثقفين. أو يُصورون لأنفسهم أن العائق الوحيد الذي يقف في وجه إتمام مصالحة مع الإخوان هو ما يُطلقون عليه تعنت الدولة المصرية.

يتصور هؤلاء أولا أن الحل السياسي في مصر لن يتم إلا عبر وجود سياسي للإخوان (تكرار للرؤية الأمريكية)، وبالتالي فإنّ الحل سيبقى- طال الزمن أو قصر- في المصالحة مع الإخوان. وأن النظام السياسي يتعنت في ذلك، وبالتالي سيحتفظ بمزيد من السلطات في جمهورية شمولية ديكتاتورية، وأن السبيل الوحيد لحل مشاكل مصر يبدأ من هذه المصالحة مع الإخوان.

كم المغالطات في هذا الكلام كبير جدا، وبعيدا عن لغة العواطف فإن لدينا مجموعة حقائق مفادها أن الإخوان بالفعل يقومون بالتحريض على العنف والقتل، وأن بعضهم يقوم بزرع القنابل بشكلٍ متكرر، لدرجة أنه في خمس حوادث متكررة أو أكثر  في الشهرين الماضيين، وقعت انفجارات أودت بحياة عدد من العناصر الإخوانية أثناء إعدادهم لقنابل. تلك القنابل التي تقتل الناس في الميادين وفي دار القضاء العالي وفي مدينة الإنتاج الإعلامي وغيرها.

فيما مضى كان إثبات تورط الإخوان في العنف برغم كونه حقيقة يبدو صعبا أمام من يشككون في أي معلومة مصدرها الشرطة، وعندما كان يتم الاستدلال بخطاب الإخوان المُعلن على صفحاتهم كان يتم اختراع تبرير هزلي أن هذا مجرد كلام ولا علاقة له بالأفعال وهكذا، إلى أن وصلنا لتورط عناصر إخوانية صريحة في الاغتيالات والتفجيرات، بحيث لم تعد حجة كونهم غير متورطين مقنعة إلا للأشخاص ذوي التفكير المزدوج، الذين اعتادوا نظرية ترديد الشيء وعكسه، فتجدهم يؤكدون أن الاخوان غير متورطين في العنف في نفس اللحظة التي يؤكدون لك فيها أن الإخوان هم من ينفذون التفجيرات على طريقة أنا ومش أنا.

إذن فقصة الفصيل السياسي الإخواني التي يرددها مجموعة من أصحاب الشعارات الديمقراطية الكاذبة هي قصة زائفة شكلا ومضمونا، فلا ممارسة الإرهاب والعنف والتحريض على الكراهية والطائفية هي ممارسة سياسية مقبولة. ولا دول العالم قبلت إدماج الإرهابيين على أرضها سياسيا، لنتذكر مثلا أن نفس هؤلاء يرددون منطق أنه لا يجب التفاوض مع إرهابيين عندما يتعلق الأمر بمجرد الإفراج عن رهائن محتجزين مثلا، بينما يطالبونك ليس فقط بالتفاوض بل ببناء عملية سياسية كاملة مع إرهابيين.  طبعا على أساس أن التجارب السابقة في العراق أو فلسطين أو ليبيا أو لبنان كانت ناجحة أو قادت لاستقرار سياسي حقيقي.

الغريب أن هؤلاء الناس يعلنون مثلا تأييدهم لرفض سياسي من هنا أو هناك للتعامل مع القاعدة أو داعش أو حزب الله.. إلخ، ثم يطالبونك بالجلوس للتفاوض مع من يضعون القنابل تحت سيارتك.

الإخوان ليسوا فصيلا سياسيا ديمقراطيا إذن، ولم يكونوا كذلك أبدا، ولا داعي لاستعراض تاريخهم الطويل في ذلك فتصرفاتهم في السنوات الخمس الماضية وحدها تقف شاهدا على ذلك.

الترويج لهم كفصيل ديمقراطي تم نتيجة أخطاء ارتكبتها التيارات الديمقراطية في سنوات مبارك الأخيرة للاستفادة من ثقلهم السياسي، والذي بدوره جاء نتيجة خطأ تاريخي ارتكبته الدولة المصرية و سببته ظروف سياسية معينة مطلع السبعينات، تزامن مع خروج المصريين للعمل في الخارج ومع حرب في أفغانستان ونهاية للحرب الباردة وصعود للتطرف الديني؛ مما جعلهم في السنوات الأخيرة لحكم مبارك مسيطرين على المشهد السياسي المصري فكريا، وجعلهم بالتالي مهيئين لاكتساح سياسي.

الذين يروجون للحل السياسي مع الإخوان إذن، حتي لو تجاهلنا الطبيعة الإرهابية للأفكار والأعمال الإخوانية، وحتى لو تجاهلنا سبب وضعهم أنفسهم على قدم المساواة مع من يمارسون الإرهاب باعتبار الجميع (قوى سياسية)، فإنهم في الحقيقة لا يجيبون عن السؤال الخطير والذي مضمونه وماذا بعد؟

يحلو للبعض الادعاء كذبا أن الإخوان إنما نموا في عهد جمهورية يوليو (نتيجة القمع السياسي). هذا الكلام محض هراء، فالإخوان كانوا هم المحرك الرئيسي لكل القلاقل في مصر منذ مطلع الأربعينات، ووصلت الأمور ذروتها في أواخر الأربعينات، والسبب كان معروفا أنهم يستخدمون الدين  في التجييش والسيطرة ولديهم تنظيم سري يستخدمونه في جرائمهم، والأهم أنهم يتغلغلون به داخل كل المؤسسات.

كل ضباط يوليو 1952 أصلا تم تجنيدهم سابقا في الإخوان باعترافهم هم أنفسهم، و السبب أنهم اعتبروا الإخوان تنظيما ثوريا لا حزبيا، وبالتالي فضلوهم على الأحزاب المدنية باعتبار الإخوان قوة ثورية ستشاركهم أحلام الثورة، والجميع يعرف كيف كان الإخوان الأقرب لمنظومة يوليو إلى أن وقع الصدام  بينهما عام 1954. الواقع أن القول بأن دكتاتورية يوليو هي نتاج افكار االاخوان اكثر صحة بمراحل  من الادعاءبان اجرام الاخوان سببه دكتاتورية يوليو. وبالمثل فان القول بان دكتاتورية وعنف القوي الثورية  عموما بما فيها الاخوان في 2011 ومابعدها  سببه شيوع افكار الاخوان أكثر صحة بمراحل من الزعم بان اتجاه الاخوان للعنف هو نتيجة قمعهم.

لنلاحظ اذن أنه ليس نظام يوليو (العسكري القمعي) هو من حظر جماعة الإخوان، بل النقراشي رئيس وزراء مصر في الحقبة الليبرالية وزعيم السعديين؛ نتيجة لارتكابهم أعمالا إرهابية وجرائم ضد المواطنين المصريين، وكان ردهم باغتياله كما اغتالوا من قبله زعيم السعديين الآخر أحمد ماهر، وإن نسبوه للوفد لأن قاتله كان إخوانيا من المنتمين للوفد على طريقة الخلايا النائمة.

 المهم أنه عند اغتيال النقراشي روّج الإخوان لإرهابهم بحملة مضادة مفادها أن النقراشي سفاح لكونه مسؤولا عن مظاهرة كوبري عباس (فبراير 1946 التي غرق فيها عدد من الطلبة نتيجة فتح الكوبري لمنعهم من العبور بعد مظاهرات دبرها الإخوان). هل يذكرك هذا بأي شيء تراه حاليا؟  

بل أنه عندما تم القبض على قاتله عبدالمجيد أحمد حسن فإن ماكينة الإخوان الدعائية حولته إلى بطل نتيجة ظهور وجهه وعليه آثار الضرب في الصور. وفي الحال تحول قاتل إرهابي يأتمر بأمر جماعة سرية يقودها شخص يمارس الدجل باسم الدين من مُدان إلى بطل. مرة أخرى هل يذكرك هذا بشيء تراه حاليا؟

هذا رغم كون مرشده تبرأ منه بعد أن حرضه، وقال ليسوا إخوانا وليسوا مسلمين بينما أصدرت دعايتهم نشرات توضح أن قتل النقراشي عمل فدائي بزعم كونه خائنا و مسؤولا عن أسلحة فاسدة وقاتل للوطنيين. ألا يذكرك هذا مرة ثالثة بشيء تراه حاليا وسابقا منذ عام 1981، كانت هذه القدرة على الكذب وقلب الحقائق وترويجها سببا رئيسيا إذن في اتخاذ جهة ما قيل إنها الملك أو الحرس الحديدي أو المباحث عموما قرار الرد على هذا كله باغتيال البنا.

ولكن دعنا نوضح هنا أن قاتل النقراشي تم تحويله لبطل رغم إعدامه عام 1950 في حكم الوفد، بل أن قصة وفيلم في بيتنا رجل كانا يمجدان البطل الذي قتل رئيس الوزراء الخائن والفيلم أنتج بعد 52 ليمجد جريمة إخوانية، ولكن الغرابة ستزول عندما تجد أن المؤلف كان إحسان عبدالقدوس وهو نفسه الرجل الوحيد الذي روج لقصة الأسلحة الفاسدة في الصحف المصرية استنادا إلى حالات محدودة تعتبر في الدراسة الجادة غير متعمدة. بينما في المقابل فإن من اتهموا بقتل البنا حاكمتهم حكومة الثورة جميعا عام 1952 تحت شعار يشبه القصاص للثوار،  بل أن  إبراهيم عبد الهادي رئيس الحكومة التالي للنقراشي، والذي اغتيل البنا في عهده أُهين وحوكم في محكمة الثورة (محكمة خاصةشكلهاضباط يوليو منهم بدون اساس قانوني )  وتم تشويه صورته، وحكم عليه من محكمة الثورة بحكم عبثي هو الإعدام، ولكن محمد نجيب رفض التصديق على الحكم فاكتفوا بسجنه ومصادرة أمواله.

ما الخلاصة من هذا كله؟ الخلاصة أنه حتى في الحقبة الليبرالية كان التعامل مع الإخوان كفصيل سياسي ديمقراطي مستحيلا، وأنه تم حل الجماعة، وأنها مارست الاغتيالات والعنف والتفجيرات والاعتداءات ضد الأقليات، وهذا يثبت مرة أخرى أن المشكلة في الجماعة وليست في المنظومة السياسية التي لا تستوعبهم. والدليل أنهم عادوا إلى المشهد على أسنة الحراب الثورية عام 52  ليخرجوا بعد عامين من الانحياز لهم وإصدار الأحكام الظالمة بحق خصومهم بغرض تثبيت فكرة بؤس وسواد العهد الملكي.

لم يحظرهم النظام العسكري . بل حظرتهم الحقبة الليبرالية. وحتي عندما حاباهم النظام العسكري بشدة لفترة فانهم عادوا لارتكاب جرائمهم. وبعدها عادوا  مرة ثالثة منذ عام 71 كجزء من المعادلة ووصل الأمر بعد 2011 لسيطرتهم على البرلمان والرئاسة والدستور ولكنهم مرة اخري عادوا جماعة محظورة بعد اقل من عامين. ليس القمع المزعوم إذن هو ما يمنع الإخوان من العمل السياسي الطبيعي بل هي جرائمهم التي ارتكبوها ويرتكبونها باستمرار.

وللحديث بقية.

للتواصل مع الكاتب.