التوقيت الأحد، 05 يوليه 2020
التوقيت 05:13 ص , بتوقيت القاهرة

تكريك مصر

خمسة عشر يومًا قضاها سبعة عشر شابا مصريًا أمريكيًا في مصر، في رحلة نادرة لشباب من الجيل الثالث، الذي وُلد في المهجر الأمريكي، ولا يعرف عن مصر، سوى أنها دولة تنحدر منها جذوره، قبل أن يهاجر الأجداد ويندمجون في تفاعلات الحياة الأمريكية، لينشأ بالتبعية جيل أمريكي على مسافة أبعد ثقافيًا وعاطفيًا عن الوطن الأم.


بدأ الأمر بمجرد فكرة تسويقية في ظل غياب السياحة الأمريكية عن مصر للعام الرابع على التوالي، بعد أحداث يناير 2011، بإرسال مجموعات سياحية من المصريين الأمريكيين الصغار لزيارة الوطن، والمزارات السياحية، والتعرف عن قرب على مصر الأخرى، بهدف تكوين صورة ذهنية جديدة وإدراك مغاير Perception  عن مصر مخالفًا للصورة التى دأب الإعلام الأمريكي على بثها، والإلحاح عليها إعلاميًا حتى باتت مستقرة في العقلية الأمريكية عن دولة شرق أوسطية يعصف بها العنف والتطرف الديني وميراث من الفساد السياسي، وفوضى لا تُخطئها العين في الشارع المصري.


كنت أتعامل بمهنية شديدة مع الموضوع بطبيعة مهمتي، وحماسي للترويج لوطن ضرب موعدًا مع تحولات مؤلمة فرضت على الجميع القيام بدور ما بمبادرات إيجابية قد يكون مردودها مفيدًا لو عاد كل شاب من هؤلاء، وكتب سطرًا واحدًا عن وطنه الأم في قاعة محاضراته أو فصله الدراسي، لاسيما في دولة كأمريكا يتمتع شعبها بجهل فاضح بأبسط حقائق الجغرافيا، فمن المثير للسخرية وربما الضحك، أن أبذل جهدًا جهيدًا في لقاءٍ ترويجي مع جمعية تعنى بتنظيم رحلات طلابية لمقاصد عديدة حول العالم، كي أثبت للحاضرين أن القاهرة ليست على بُعد كيلو مترات من دمشق، وأن شرم الشيخ تقع على بُعدٍ كافٍ ومسافة آمنة من تكريت والرمادى. يبدو أننا جميعًا في الهمِّ والتخريب شرق أوسطيون.


رغم معرفتي المٌسبقة بتفاصيل برنامج زيارة الشباب الصغير، وسيطرة ذهنية المُسوِق على عملي، واستدعائي اللا إرادي لمشاهد طريفة من فيلم أحمد حلمي الشهير "عسل أسود" إلَّا أن ذهنية البائع تغلبت وبسطت الأمور في عقلي، فما عرضه الفيلم مجرد مبالغات تطلبتها الحبكة الدرامية للفيلم، وأن هذه المجموعة من الشباب المصري سابقا لا يجيدون العامية المصرية ولن يفهموا أغنية "بالورقة والقلم" ضمن سياق الفيلم.


طلبت من بعض هؤلاء الشبان الاتصال بي بعد عودتهم، أو تمكيني من الاتصال بهم تحت زعم استكمال عملي، بجمع استقصاءات عن الرحلة أو ما يُسمى تسويقيًا بال Feed Back، لكن حقيقة الأمر أنني كنت مسكونًا بهَمِّ قديم أن يعود هؤلاء الشباب من مصر، وقد قرروا أن تكون تلك هي رحلتهم الأخيرة إلى الجذور، لاسيما وأن الوطن لم يعد ذلك البورتريه الجميل الذي رسمه لهم الأجداد، عن مدن وادعة، وريف ناعس، ونيل ساحر للعيون. أفلام الأبيض والأسود التي شاهدها الأجداد، أصبحت مجرد شواهد على وطن تغير، وتغيرت ذائقته إلى المزيد من الانكفاء والتراجع إلى حاضنة البداوة والمزيد من الانغلاق.


بيتر شاب هادئ متفوق يدرس الصيدلة بجامعة نيويورك NYU ، سامحني وأنا أبتسم لطريقة نطقه لبعض الكلمات العامية المصرية، كان الأكثر حماسًا للرحلة، وكانت كل أمنياته أن يلتقط مجموعة من صور "السيلفي" مع الهرم وأبو الهول، وأن يري حيًا أسطوريًا طالما سمع عنه من جده اسمه "شُبرا" وشاركته أخته نفس الرغبة. حسن كان فرحًا لأنه سيقابل المهندس محلب رئيس وزراء مصر، وسيتمكن من تغيير صورة بروفايل الفيس بوك إلى وجهه مجاورًا لأبي الهول، وقد يزور سريعًا أبناء عمه في "الزيتون".


طار الشباب إلى مصر التي في خيالهم، عرفت من منظمي مزاراتهم في مصر، أنهم أمضوا وقتا طيبا، زاروا الأهرامات والأقصر، جابوا بأتوبيسهم السياحي شوارع القاهرة وعادوا، لكن أحدًا لم يهاتفني ومن تمكنت من محادثتهم، ردوا باقتضاب ومجاملة أن الرحلة كانت رائعة، ربما بالفعل كانت الرحلة تنظيميًا رائعة، لكن شيئًا بقي يستثير فضول الكاتب بداخلي متجاوزًا مهنية المُسوق، كنت أريد أن أتحدث مع أحدهم بعيدًا عن فوتوغرافيا الجانب السياحي للرحلة.


بيتر جميل كان الأكثر حدة وشجاعة، وربما ألمًا وهو ينفجر بتساؤلات متتابعة، لم تكن لدى إجابات جاهزة للرد عليها، قال بيتر: رأيت الأهرامات وفي طريقي إليها رأيت جبال القمامة والحيوانات النافقة، رأيت العشوائيات وقد لامست أحجار الهرم، رأيت الفوضي في الشوارع وغياب النظام، لم يكن صعبًا عليَّ أن ألمح العنف والجهامة في سلوك الناس رُغم مظاهر التدين التي لا تُخطئها العين، رأيت الإهمال باديا ومتحديًا على واجهات المباني والطرقات، رأيت "شبرا" مزيفة غير تلك التي عشقتها من الحكايات، كنت أعرف مسبقًا أن وطني دولة من دول العالم الثالث تقع في منطقة صراع ملتهبة، لكن شيئًا بداخلي كان يقول لي، إنها على الأقل قد تكون أفضل من دول زرتها في أمريكا اللاتينية، وهي دول حتي وقت قريب كانت غارقة في الفوضى، ربما كنت مبالغا في تقديراتي، لكني أحتفظ على كل حال بذكريات جميلة عن الرحلة ورائحة التاريخ لوطن مازلت أحبه.


كنت أستمع إلى الشاب الصغير، لم أبرر أو أجمل أو أدعي أشياءً في غير موضعها، أشفقت عليه وعلى مصريته المجروحة، وطلبت منه أن يشفق علينا هو الآخر، وقد تتابعت علينا المحن والحروب والفساد والمؤمرات لأكثر من ستين عاما، تم فيها تكريك مصر بتجريف أجمل ما فيها، وهو الشخصية المصرية النبيلة التي لم يكن صعبًا أن تراها في الفلاح والموظف وسائق التاكسي، أكدت للفتى الصغير أن مصر عائدة، وأنها الآن تبني وتواجه، ليست نبوءة عراف أو ضربا بالودع، ولكنّها حتمية التاريخ الذي سلخ من عمر هذا الوطن سنوات من الانحطاط والتشرذم، ولم يُبق لنا إلَّا صراع وجود نكون فيه أو لا نكون، وحكمة التاريخ تقول إننا نستعصي على الذوبان في القهر والانسحاق. قلت للشاب المصري الأمريكى، وأنا أهديه هرما صغيرًا من الكريستال؛ ستزورها مرة أخرى وستكون أفضل، وكذلك قارة شبرا الجميلة، ستكون أكثر جمالا ووداعة، وأن تكريكًا آخر لقناة سويس جديدة قد يكون أكثر رمزية على بدء البناء والإحياء.