التوقيت الأحد، 09 أغسطس 2020
التوقيت 10:50 م , بتوقيت القاهرة

متى يخلع برلمانُنا "المزيكا"؟

كان من عادة أصحاب الفرق الموسيقية الشعبيةـ إذا واجههم نقصٌ في عدد العازفين المطلوب لمناسبةٍ ما ـ أن يسدوا النقص ببعض الأفراد من الذين ربما اقتصرت علاقتهم بالموسيقى على إطلاق الصفير من آن لآخر. وكانت مهمة هؤلاء الأفراد تنحصر في حضور المناسبة مرتدين زي الفرقة الموسيقية الرسمي والإمساك بالآلات، دون أن يكون لهم بالطبع أي حق في ممارسة العزف. ومن هنا جاء تعبير "لابس مزيكا" الذي وجد مع الوقت طريقه إلى اللغة الدارجة ليدل على هؤلاء الأفراد الذين يدّعون قيامهم بدورٍ ما دون أن يكون لهم أي دراية بما يتطلبه أداء هذا الدور من معرفةٍ أو يحتاجه من موهبة.

وفي مجتمع يتحلى بالتسامح كمجتمعنا كان من الطبيعي أن يزداد عدد لابسي المزيكا في جميع المجالات. فليس من المهم أن يجيد المرءُ العزف، بقدر ما هو مهم أن يبدو عدد الفرقة كاملاً. فاكتمال الفرقة لا يجعل مظهرها طيبًا ولائقًا فحسب، لكنه يمنح أيضًا فرصة "لأكل العيش" وهو ما يتسامح معه شعبنا تمامًا. 

وقد تسامح شعبنا مع "لابسي المزيكا" في برلماناته المتعاقبة وسعيهم نحو أكل العيش ربما أكثر من تسامحه معهم في أي مجال آخر. فعضو البرلمان يُفترض فيه "نظريًا" أن يقوم بدور المشرع والرقيب على سلطة الدولة التنفيذية. كما يُفترض أيضًا (نظريًا بالطبع) أن عضو البرلمان، وإن كسب مقعده بأصوات ناخبي دائرة محددة، إلا أنه يمثل الأمة كلها في مصالحها وتطلعاتها. لكن الافتراض الأكثر قسوةً وتعنتًا ـ والذي لا يتوافق مع طبيعة المصريين السمحة ـ أن يكون أعضاء البرلمان قادرين بالفعل على أداء ما هو منوط بهم من مهام.

ألا يحتاج المشرع لأداء دوره في وضع القوانين وتعديلها بما يلائم العصر أن يكون على دراية بفلسفة القانون وروحه ومقاصده؟ ألا ينبغي له أن يكون على دراية بتطور النظام التشريعي والقانوني في وطنه؟ بالتأكيد لا يضع البرلمانيون في أي وطن القانون، ولكن يفعل ذلك فقهاؤه المتخصصون. لكن ألا ينبغي لمن ترتفع يده موافقة أو رفضًا ليحدد مصير أمته أن يعرف ولو نذرًا يسيرًا عن عمل القانونيين؟ على أي أساس ـ غير الالتزام الحزبي أو المعارضة من أجل المعارضة ـ يوافق أعضاء البرلمان على تفعيل تشريع جديد أو إنهاء العمل بنصوص قديمة أو تعديلها؟ 

ألا يحتاج عضو البرلمان لكي يراقب موازنة الدولة أن يكون على فهم كامل لظروف البلاد الاقتصادية ومعرفة بمواردها وحجم ما تنفقه؟ وحتى لو توفّرت له هذه المعرفة ألا يحتاج لخبرات في تحليل ما يوضع أمامه من أرقام وإحصاءات ليدلي برأيه فيها؟ ألا يحتاج أن يعرف شيئاً عن الأسواق المنافسة المحيطة بوطنه وحجم ما تقدمه من تسهيلات أو ما تفرضه من صعوبات على الاستثمار وحركة التجارة؟ 

ألا يجب لأعضاء البرلمان، الذين لا يُمكن لجيش الوطن أن يخوض حربًا دون موافقتهم، أن يكونوا على معرفة بالوضع السياسي في الإقليم وتشابك المصالح والأطماع فيه وما ينتج عن ذلك من تهديدات ومخاوف وضرورات للتدخل؟ ألا يجب أن يكون عضو البرلمان على بعض الدراية بتاريخ بلاده وما خاضته من حروب وعقدته من اتفاقيات؟

وقبل كل هذا وذاك، ألا يفترض في عضو البرلمان "ممثل الأمة" أن يعرف مشاكل شعبه ظهرًا عن قلب وأن يعرف أسبابها المعلنة وغير المعلنة، وأن تتوفر له النية الصادقة والإرادة النافذة للعمل على مواجهتها، حتى لو يعني ذلك مواجهة الشعب بعيوبه ونقائصه؟

كيف يتأتى لمن لم يحصل من التعليم على غير الشهادة الاعدادية أن يقوم بما سبق من أدوار؟ كيف يمكن لمن أمضى حياته لا يعرف من أمور الحياة غير ما يخص منها العائلة أو القبيلة أو الحي أن يلعب هذه الأدوار؟ كيف يستطيع من لا اهتمام له ولا دراية بالشأن العام أن يقفز فجأة ويتصدى لعضوية البرلمان ليدافع عن حق الشعب؟ كيف يمكن لمن توارث النظر إلى السياسة كجسر للمكانة الاجتماعية أو وسيلة للحفاظ على المكاسب العائلية أن يضع تشريعًا أو يوافق على تشريع يحد من مكاسبه أو مكانته؟ 

تثور هذه التساؤلات في ذهن المرء وهو يتابع حوارات لا تنتهي عن قانون الانتخابات وتعديلاته، وعن نظام القائمة والفردي. جدال عقيم لا يُعنى بغير المحاصصة وتقسيم المكاسب وكأن عضوية البرلمان مكافأة! كل ما تسمعه هو الحرص على أن يكون البرلمان ممثلاً لكل فئات الشعب وكأن فئات الشعب في تنافس فيما بينها! أو كأن هذا التنافس إن وُجد حقًا فمن الضروري إرضاء جميع أطرافه.

يخبرنا التاريخ أن برلماننا عبر العصور المتعاقبة، خديوية ثم ملكية ثم جمهورية، كان بالفعل ممثلاً لكل فئات الشعب. فقد اقتصر البرلمان دوماً على عدد محدود من العازفين المهرة القادرين بالفعل على أداء ما هو منوط بهم من أدوار تشريعية ورقابية، مقابل عدد كبير من العاجزين. فالبرلمانات كما فتحت أبوابها لأساتذة الجامعات والسياسيين المحنكين وأصحاب الأراضي ورؤوس الأموال، فتحتها أيضًا للعاجزين عن القراءة كليًا أو الجاهلين بكل ما يدور خارج قراهم أو أحيائهم المحدودة. وقد عاد هذا "التمثيل" على الممثلين بمكاسب تفاوتت حسب أهمية كل منهم في المشهد. فبينما حقق العازفون المهرة مكاسب تتلائم مع قدرتهم على متابعة عصا المايسترو بدقة وعزف الألحان التي يضعها، حقق لابسو المزيكا مكاسب تناسب إكمالهم للمشهد.

هل يتحمل المشهد اليوم إستمرار هذا النمط من التفكير؟ هي يتحمل المشهد اليوم الاستمرار في مكافأة التركيبة العتيقة؟ ألا نردد كل يوم أن مصر تتغير وأنها بحاجة إلى أن يتصدر أفضل أبنائها وبناتها وأكثرهم قدرة على العطاء المشهد؟ مصر بحاجة لانتخاب القادرين على دفعها للأمام وعزف ألحان العصر، والانتخاب لا يعني الاختيار بل يعني انتقاء الأفضل. والأفضل هم الأكثر فهمًا لهذا العصر والأكثر قدرة على التجاوب مع تحدياته. هل الآليات الانتخابية المتاحة اليوم تحقق ذلك؟ أم هل نحن بحاجة لآليات جديدة ندفع بها بأفضل العناصر نحو الصدارة ليقوموا بدورهم في شدنا للأمام؟ ستقول لي أن أعتى الديمقراطيات تسمح للجميع بالترشح على قدم المساواة، وسأجيبك أن أعتى الديمقراطيات اليوم لا تحارب التخلف والفقر والجهل وضعف الإنتاجية. بل وسأزيدك أنك ربما بحاجة لقراءة تاريخ تلك "الديمقراطيات" لتعرف كيف أصبحت ديمقراطيات راسخة وعلى أكتاف مَن مِن أبنائها قامت ووراء مَن مِن أبنائها سارت صامتة حتى أوصلوها لبر الأمان.

ربما علينا أن نتخلى عن التسامح وأن نكون أكثر صرامةً في مواجهة واقعنا وأنفسنا. ربما علينا أن نفكر في من يحتاجه الوطن ليكون عضوًا برلمانيًا قبل أن نفكر في احتياجات وطموحات وأطماع من يرغبون في لعب هذا الدور. نحتاج إلى أن يكون كل عضو في فرقة البرلمان (أهم مؤسسة في أي بلد يطمح للتقدم) قادرًا على العزف بمهارة. بل لعلنا نحتاجه أيضًا لأن يكون قادرًا على استيعاب كل أنواع النغم. فالواقع اليوم يفرض علينا أن نتعامل مع تحديات داخلية وإقليمية وعالمية. ولمواجهة كل ذلك نحن بحاجة لثورة تشريعية وقانونية، ولابسو المزيكا ربما لا يعرفون الفرق بين القانون والطبلة.