التوقيت الأحد، 05 يوليه 2020
التوقيت 12:48 ص , بتوقيت القاهرة

مطلوب عمالة صينية وهندية

كان رجل الأعمال الشهير يتحدث بمرارة في ندوة عن أزمة مصانعه، بسبب عجز العمالة واضطراره لجلب عمالة من الفلبين. أثار الأمر دهشة الحاضرين للندوة، كيف لصاحب سلسلة من المصانع في دولة كمصر أن تكون أم عذاباته؛ هي أزمة العمالة في بلد تعداد سكانه أوشك أن يلامس المائة مليون نسمة، ويعاني من معدلات بطالة، وصلت حسب تقديرات محايدة إلى ثلاتة عشرة بالمائة من إجمالي سكان مصر؟ كيف لمستثمر أن تكون كل همومه أن يجد عاملًا ماهرًا مدربًا في بلد ستين بالمائة من سكانه من الشباب في سن العمل والإنتاج.

في بلد كبير كمصر، بدأ بواكير النهضة سابقا لدول في المنطقة بقرن كامل على الأقل، يبدو عدم وجود مهارات شيئًا مُحيرًا. أنشأ محمد علي وخلفاؤه صناعات عديدة بالقطر المصري، فأدخلوا السكة الحديد، وأقاموا نهضة إنشائية ومعمارية غير مسبوقة في زمانهم، وأوجدوا من العدم نظم الري التي مازلنا نعتمد عليها حتى اليوم، بحفر الترع والرياحات التي حملت أسماء أبناء محمد علي، كترع الإسماعيلية والإبراهيمية والمحمودية والرياح التوفيقي، علاوة على حفر قناة السويس، وإنشاء مدن جديدة كبورسعيد والسويس والإسماعلية،ثم إدخال الصناعات الحربية والنسيج والطباعة إلى مصر، في بلد كهذا يُفترض أن يكون لديه ميراث طويل من الكفاءات الحرفية والمهنية على كافة المستويات، وأن يكون بلدًا مُصدّرًا للعاملين المهرة والخبراء إلى كل دول العالم. لكن يبدو أن الأمور لا تسير على هذا النحو، فالتدهور الذي أصاب التعليم والصناعة، قد ترك آثارًا غائرةً على سُمعة العامل المصري وحرفيته.

تابعت وسائل الإعلام قبل أسابيع خلافًا بين جهة مصرية، وشركة خليجية ستقوم بتنفيذ مشروع إسكاني ضخم في مصر، الخلاف كان السبب وراءه؛ رغبة الشركة الخليجية في الاستعانة بجزء كبير من حجم عملها، بإسناده إلى عمالة صينية وهندية، بدلا من العمالة المصرية. بدا الأمر صادمًا للكثيرين ومؤشرًا مزعجًا لحجم المأساة التي تعاني منها مصر، من عجزٍّ في المهارات والعمالة المدربة الماهرة القادرة علي الإنجاز بإتقان، ووفق مستويات جودة بالمعايير العالمية المطبقة على الأقل في دول مجاورة كالخليج والتى لا تخطئها العين في نهضة دبي وأبو ظبي مثلاً.

تحدث رجل الأعمال في الندوة بإسهاب، ليس عن المهارة الغائبة للعامل المصري فحسب، وإنما عن ثقافة الكسل والفهلوه والتزاكى بدون خلفية معرفية، حكي الرجل أنه مّرّ على أحد خطوط الإنتاج بمدينة العاشر من رمضان، في العاشرة صباحًا فوجد العاملين مازالوا يتوافدون تباعًا متأخرين، وأن من وصلوا بدأوا في إعداد إفطار جماعي وشاي صباحي، يستغرق من وقت العمل حوالي الساعة وتسمى "الاصطباحة" وبعدها يبدأ العمل على استحياء، وبوتيرة كسولة، بخلاف التوقفات للراحة أو الصلاة أو لأي سبب.

يسترسل الرجل ويقول إنه استدعى المشرفين ومدير الموارد البشرية، الذين قالوا للرجل أنه لا حيلة لهم في ذلك، وأن تلك هي ثقافة العامل المصري، وأن تغيير العمالة لن يغير من الوضع شيئًا، بل سيزيد من نفقات وأعباء تدريب جديد بدون جدوى، لعمالة جديدة لديها نفس ثقافة الكسل والاستسهال وعدم الإتقان.

ليس صعبًا على أحد جرب مرة استدعاء سباك أو كهربائي إلى بيته، لإصلاح عطل ما، أو عمل تركيبات أو صيانة، أن يحكي عن تجربته مع العامل سواء في الوفاء بالمواعيد، أو إتقان المهمة التي من أجلها استُدعي العامل. نحن أمام مشكلة ستكون لها آثارها على برامج التنمية، وخطط النهوض، فنحن لسنا بثراء دبي والسعودية لنجلب عمالة آسيوية تساعدنا في الإنجاز، وليس أمامنا سوي الاستثمار في التدريب وتحديث نظم إدارة الموارد البشرية، لتغيير ثقافة العامل المصري، ليصبح أكثر إتقانا وإلتزامًا، وأقل كسلًا واتكالية وفهلوة.

كما نندم على سائق التاكسي الذي نراه في الأفلام القديمة مرتديًا الكاب والجوارب البيضاء، ويقول للراكب برقي وأدب يا أفندم، وللسيدة يا هانم، ونقارن بين حاله وحال سائقي التاكسي الآن، سنندم على غياب عامل أمين، يتقن عمله بجودة ومهارة ويعيد السُمعة الطيبة والريادة للعامل المصري في المنطقة العربية، التي للأسف أصبحت تعتمد على الهند والفلبين وأندونسيا والصين لجلب العمالة بدلًا عن مصر.